ينتظر أطفال دولة الإمارات خاصة، ودول منطقة الخليج العربي عامة، ليلة النصف من شهر شعبان، التي توافق هذا العام ليلة الإثنين 2 فبراير، الموافق الرابع عشر من شهر شعبان بالتقويم الهجري، ويطلق عليها «ليلة قرقيعان»، وتعد جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي لدولة الإمارات، كمناسبة تراثية متجذّرة في الذاكرة الإماراتية.

  • «ليلة قرقيعان».. عادة ثقافية متجذرة في الذاكرة الإماراتية

ويبدأ الأطفال، وعائلاتهم، التحضير لليلة النصف من شهر شعبان، منذ الليلتين السابقتين لمنتصف الشهر، حيث ترتبط هذه الليلة عبر الأجيال المتعاقبة بمشاعر الفرح والبهجة، وبالاستعداد النفسي والروحي لاستقبال شهر رمضان المبارك، ولا تقتصر مناسبة «حق الليلة» على الأطفال فقط، بل كانت ولا تزال طقساً اجتماعياً جامعاً، يعكس روح المجتمع الإماراتي، وقيمه الأصيلة القائمة على التراحم، والعطاء، والتكافل.

ويحمل اسم «حق الليلة» دلالة لغوية واضحة، فـ«الحق» يُقصد به النصيب أو الاستحقاق، أي أن لهذه الليلة مكانة خاصة، وحقاً في الفرح والاحتفاء، وقد ارتبط هذا الاسم لأهمية هذه الليلة المميزة والمباركة، وتُستقبل فيها الخيرات، ويتم تبادل الدعوات الطيبة. وبمرور الزمن، تحوّل هذا المعنى الرمزي إلى ممارسة اجتماعية حية، تُجسّدها أفعال بسيطة لكنها عميقة الدلالة، مثل: مشاركة الحلوى، وإسعاد الأطفال، وتقوية الروابط بين الجيران.

ولا تزال بعض المدن، و«الفرجان» في دولة الإمارات تحيي هذه المناسبة، حيث يتجمع الأطفال بعد صلاة المغرب، وهم يرتدون الملابس الإماراتية التقليدية، فالأولاد يرتدون «الكندورة»، بينما ترتدي البنات «الثوب المطرز»، في مشهد يعكس الهوية الثقافية للمجتمع، ويحمل الأطفال معهم أكياساً قماشية صغيرة، تُعرف باسم «الخرايط»، وينطلقون جماعات من بيت إلى بيت، يطرقون الأبواب، وينشدون أهازيج تراثية متوارثة، من أشهرها: «أعطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم»، و«أعطونا حق الليلة»، وتقوم العائلات والأسر ببهجة ومحبة وسرور، بتقديم المكسرات والحلوى التقليدية، مثل: اللقيمات، والتمر، والفول السوداني، والحلوى الشعبية، ولا تعد هذه الممارسة مقتصرة على التوزيع فقط، بل فرصة للتلاقي، وتبادل السلام، والدعاء للأطفال، ما يعزز روح الألفة والتقارب الاجتماعي.

  • «ليلة قرقيعان».. عادة ثقافية متجذرة في الذاكرة الإماراتية

ومع التطور الحياتي والزماني والرقمي والتكنولوجي للعائلات في دولة الإمارات، تحافظ «ليلة قرقيعان» على جذورها التاريخية، وذاكرتها التراثية، وجوهر المناسبة العتيقة المحببة، التي تعيد الناس إلى براءتهم وطفولتهم، ولم يعد الاحتفال مقتصراً على الأحياء الشعبية، بل أصبح يُنظَّم أيضاً في المدارس، والمؤسسات الثقافية، والمراكز المجتمعية، والفعاليات العامة.

وتطورت الأكياس «الخرايط»، وصارت أكبر حجماً، ومزينة بتصاميم تراثية، كما تُقام أنشطة تعليمية تُعرّف الأطفال بقصة هذه المناسبة وأهميتها، ليظل الهدف الأساسي ثابتاً، وهو إحياء التراث، وغرس القيم الاجتماعية، وربط الأجيال الجديدة بماضيها الثقافي. وقد ساهمت الجهات الثقافية والإعلامية، في الدولة، في توثيق هذا التقليد وتعزيزه، لضمان استمراريته؛ بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية.