نصره البوعينين: البيت كان نافذتي الأولى على العالم
الاقتراب من تجربة الفنانة التشكيلية، نصره البوعينين، اقتراب من سؤال الفن نفسه: ما جدواه حين يتحوّل إلى أسلوب حياة؟.. وكيف يرى الفنان العالم حين يتأمّل ذاته فيه؟.. ففي أعمالها تتقاطع الثقافة مع الفلسفة، ويتجاور الأدب مع اللون، ويصبح المكان جزءًا من السرد البصري؛ من البيت الأول، إلى المدن والطرقات والسفر.. هكذا يتكامل النص مع اللوحة، وتتسع الفكرة؛ لتُقرأ كما تُرى. في هذا الحوار، تتصدر الفنانة الإماراتية غلاف «زهرة الخليج» بأناقتها الهادئة، وتتزيّن بمجوهرات «كارتييه»، الدار الفرنسية العريقة، وتكشف بعضاً من عالمها الداخلي: كيف تتشكل الفكرة قبل أن تصبح لوناً، وكيف تسافر لتعود إلى نفسها، وكيف ترى الحب، والفن، والكتابة، والمستقبل، بهدوء مَنْ يفضّل التأمل على الاستعراض، وبثقة مَنْ وجد صوته، ولا يخشى أن يُصْغِِي إليه:
-
عقد Blue Panthere Embrassee من الذهب الأبيض والأكوامارين والسافير والأونيكس والألماس من Cartier - عباية من Manaal Al Hammadi و«توب» أبيض من Alaia
لنبدأ من البيت.. حدثينا عن البيئة التي نشأتِ فيها، وما منحكِ إياه هذا المكان على مستوى الحسّ، والخيال! نشأتُ في بيتٍ محب للقراءة والإبداع، فقد كانت الكتب فيه جزءاً من اليوم، وليست حدثاً استثنائياً. وكانت مكتبتنا الصغيرة تكبر وتتنوع معنا؛ فكنا نختار كتباً تناسب أعمارنا، وفضولنا، بينما تصطف كتب والدتي الأدبية، والشعرية، على الرفوف المجاورة. فوالدتي كانت قارئة ومهتمة بالأدب العربي والشعر النبطي، وكانت تدون ما يعجبها من أبيات وخواطر في مفكرتها الخاصة، هذه المفكرة - بالنسبة لي - كانت نافذتي على عالم لغوي، مليء بالتفاصيل. في تلك البيئة، تشكّل لديَّ حسّ الاكتشاف. كما كنت أستمتع بالعوالم، التي تقدّمها القصص، والشخصيات، وأتعلم - من خلالها - كيف يمكن للخيال أن يتسع؛ ليشمل صورة، أو لوناً، أو فكرة. مزيج القراءة والملاحظة والفضول، هذا، منح طفولتي مساحة من اللعب والتفكير، وأسّس لاحقاً علاقتي بالفن كوسيلة لفهم العالم، وليس فقط لمشاهدته.
لغة لفهم العالم
هل كان الفن حاضراً في البيت كفكرة أو ممارسة، أم جاء بوصفه اكتشافاً شخصياً لاحقاً؟
الفن في بيتنا كان دائم الحضور، كفكرة، وكفضاء يسمح بالتجربة، ثم تحوّل - مع الوقت - إلى ممارسة حقيقية. وقد لاحظت والدتي ميلي إلى الرسم منذ الصغر، فكانت تشجعني بهدوء، وتوفر لي ما أحتاج إليه من أدوات، كأنها تمنحني إذناً غير مُعْلن لاختبار العالم بطريقتي الخاصة. ولم أتعامل مع الفن - في تلك المرحلة - بوصفه «موهبة»، بل كلعبة أستكشف عبرها الألوان والأشكال، وأفهم بها الأشياء من حولي. شيئاً فشيئاً، تحوّل الفضول إلى عادة، والعادة إلى شغف، حتى أدركت أن هذه المساحة الصغيرة، التي بدأتْ باللعب، سترافقني لاحقاً إلى الحياة.
-
حلق Parcae من البلاتينيوم والسافير والألماس من Cartier - عقد Parcae من البلاتينيوم والسافير والألماس من Cartier - سوار/خاتم Parcae من البلاتينيوم والسافير والألماس من Cartier - عباية من Manaal Al Hammadi
خلال طفولتكِ.. ما أول شيء جعلكِ تشعرين بأنكِ مختلفة في طريقة النظر إلى العالم، والإحساس به؟
منذ طفولتي، كنتُ أتعامل بحساسية تجاه اللون والتفاصيل. ولم تكن الألوان مجرد جماليات بالنسبة لي، بل طريقة لفهم العالم. كانت تستوقفني الأشياء الصغيرة، التي قد يتجاوزها الآخرون، وأطرح عليها أسئلة لا أعرف لها إجابات، لكن مجرد طرحها كان يمنحني إحساساً بالاكتشاف. ومع الورق والألوان، كنت أجد مساحة أوسع؛ لرؤية ما لا يُقال بالكلام، كأن هناك عالماً إضافياً، يمكن أن أراه؛ إذا منحت نفسي الوقت الكافي للتأمل.
درستِ تاريخ الفن وعلوم المتاحف.. ما الذي جذبكِ إلى هذا المسار الأكاديمي تحديداً، وكيف أثّرت الدراسة النظرية في علاقتكِ بالفن؟
جمع هذا التخصص شيئين مهمين بالنسبة لي: الأول: الاطلاع على التاريخ العريق للفنون؛ فقد كان لديَّ فضول لدراسة طرق تعبير الفنانين - عبر العصور - عما في مخيلاتهم، وما الذي أثّر في طريقة تعبيرهم، وكيف تقوم المؤسسات الثقافية كالمتاحف بتوصيل هذه المخيلات؛ لإلهام الجمهور، ومحبي الفنون، فقد أدركت أن القيم والمشاعر الإنسانية مشتركة، ويمكن أن تلهم كلَّ مَنْ يدخل هذه الصروح الثقافية؛ ليكون جزءاً من هذا الإبداع الفكري والفني. كان لدراستي أثر كبير في إثراء مخيلتي، وتعميق فهمي لمستوى الإبداع الإنساني، وأوجهه المتعددة. فقد رأيت كيف شكلت الظروف التاريخية، والشخصية، للفنانين مخزونهم الفكري، وكيف تميزت طرق التعبير في كل عصر؛ لتعكس التجربة الشخصية للفنان، ضمن وسطه المجتمعي.
-
حلق Moonga من الذهب الأبيض والمرجان والأونيكس والألماس من Cartier - الأزياء من Louis Vuitton
فكرة.. ولون
كيف تبدأ اللوحة عادةً لديكِ.. من فكرة واضحة، أم من إحساس عابر، أم من حالة غير مسماة؟
لوحاتي تبدأ بحالة لها ملامح واضحة، تمتزج فيها المشاعر المختلطة ببُعْد فكري وفلسفي. وتختفي هذه الملامح تارةً، وتتضح أخرى، لكنها تبقى متجذرة في تجربتي الوجودية. إنني أعتمد - بالدرجة الأولى - على تدوين ملاحظاتي؛ لأفهم - بعمقٍ - مشاعري في كل حالة، فهي تكوّن مجمل مخزوني الإبداعي. كما أعود إليها مراتٍ عدة؛ لأتأملها بتمامها؛ فتتشكل الأفكار، ومن ثَمَّ الخطوط، تليها الألوان؛ لترسم ملامح لوحةٍ، جسدتها تجربتي الإنسانية.
هل هناك تجربة بصرية، أو فنانون، شكّلوا وعيكِ الفني.. في بداياتكِ؟
جذبتني - منذ الصغر - لوحات فناني عصر النهضة الإيطالية، ومنهم: رفائيل، ومايكل أنجلو، وليوناردو دافينشي، فقد اكتشفتُ أعمالهم خلال مطالعاتي العامة؛ فانبهرت بدقة التعبير، وانسيابية الحركة، في أعمالهم التي تنبض بالحياة، بألوان متناغمة تشع روعةً، بعد كل هذه القرون التي مرت بها. وربما أدركت، لاحقاً، أثرها التاريخي، لكن في صغري أدركت حواسي أنني أرى قدرات الإنسان على تقديم أعمال تُحرك أعماقنا بهدوء، وتحثنا باستمرار على دفع عجلة الإبداع، التي تقودها مشاعرنا.
كثيراً ما تحضر اليوميات والكتابة في تجربتكِ.. كيف تساعدكِ هذه المساحة الخاصة في تحويل الفكرة إلى عمل مكتمل؟
دائماً أحمل معي قلماً وورقةً، في كل لحظة ومكان؛ وأجد - في كل مساحة تعبيرية - حرية مطلقة، تتبلور فيها المشاعر المبهمة إلى حالة تكاد تتلمس الوضوح من محيطها؛ فتتراكم اليوميات، وتشكل سجلاً لمراحل ذهنية وشعورية، خاصة بعالمي الداخلي. وتتشكل فكرة الأعمال، لديَّ، عندما أكون في تيار من التساؤلات، التي تجعلني أتوسط هذه الحالات المتغيرة في ذاتي. ونتاج هذه التساؤلات هو بذرة أعمالي الفنية، فحينها أخط - بوضوح - أفكاراً مكتملة، نضجت من خلال الكتابة؛ لتستقر بألوان مفعمة في لوحةٍ مكتملة.
-
حلق وخاتم Feuille من البلاتينيوم والسافير والألماس من Cartier - فستان من Elie Saab
تتقاطع الكتابة مع السفر والقراءة في تشكيل عالمكِ البصري.. ما الذي تمنحكِ إيّاه هذه الطقوس، قبل أن تولد الفكرة على القماش؟
لديَّ يتشابه السفر، والقراءة؛ في كونهما نافذة لاكتشاف عوالم، وشخصيات، وتجارب جديدة. فتقليب صفحات كتاب فرصة لي؛ للتعمق في قصص تعكس تجربة الإنسان من منظور آخر، خاصةً عندما تختلط ببُعْد تاريخي وفكري وشعوري. وكذلك السفر يمنحني الفرصة لأتبنى منظوراً جديداً، أكون فيه الشخص العابر في مكان ما؛ لأكتشفه بتفاصيله المبهرة: أشخاص، وعادات، وثقافات تشكلت متأثرة بمحيطها وتاريخها المميز. وعندما أتلمس كل هذه التفاصيل بحواسي؛ تأتي الكتابة؛ لترسخ تجربتي بالكلمات، التي لا تلبث أن تكمن في صفحات مفكرتي؛ حتى تنتقل، لاحقاً، إلى لوحاتي حيث تمتزج الفكرة بالألوان والأشكال.
حب الذات
ما مفهومك عن الحب؟
الحب محور الحياة، وتجربة غنية، تؤصّل علاقتنا بذواتنا. وقد يبدأ الحب بشعور عابر، لكن صدق المشاعر، وتداخلها مع قيمنا في الحياة، يقرران مصير الرحلة. وكلما كانت لدينا القدرة على فهم ذواتنا؛ اقتربنا أكثر من الآخر، وتحققنا من صدق المشاعر. فميزان القلب هو الشيء الأبدي في حياتنا، فما سكن في القلب؛ سيدركه العقل بكل تفاصيله. وهنا، يتبلور الحب في حياة الإنسان؛ ليصبح تجربة متكاملة، تمثل أبعاد الحياة بكل أوجهها، وتمنحنا الثبات والمأوى، كما أحلامنا!
في تجربتكِ الشخصية والفكرية.. ما العلاقة بين الحب والقدرة على الإصغاء: للذات أولاً، ثم للآخرين؟
يبدأ الحب بالإصغاء، ومن أهم ركائزه حب الذات، والإصغاء إليها. يمنحنا الإصغاء القدرة على الفهم العميق للذات، واحتياجاتها، وتطلعاتها، وأحلامها الراكدة. وكلما اختفى صوت الذات؛ دلَّ ذلك على بُعْدنا عنها؛ فقلة الإنصات تُبْعدنا عمن نحب. أما إذا اقتربنا منها بعطف وحب وتواضع؛ فإنها تثق بنا، وتقترب منا أكثر؛ فنسمع صوتها من جديد. وساعتها، تغرد الذات، وتشع حياةً، تماماً كالإحساس بالحب؛ فهو يعكس احترامنا لذواتنا، وتقديرنا لما هو جزء أصيل من كياننا الإنساني، وعندها نصل إلى مرحلة تمام حب الذات، ومَنْ يصغِ إلى ذاته؛ يدرك أهمية الإصغاء إلى الآخرين.
-
عقد Blue Panthere Embrassee من الذهب الأبيض والأكوامارين والسافير والأونيكس والألماس من Cartier - فستان من Juozas Couture Paris
يبدو الفن، في أعمالكِ، أقرب إلى حالة ذهنية منه إلى نتيجة بصرية.. هل ترين الإبداع وسيلةً لفهم الذات، قبل أن يكون وسيلة للتعبير؟
الإبداع سمة من سمات التجربة الإنسانية، فالذي يحرك القدرةَ الإبداعيةَ شعورٌ «يتبرعم» في الذات. والمشاعر - لديَّ - صوت يحرك الجسد؛ لأستدل به على ما بداخلي. كما أن فهمي لهذه المشاعر يرشدني إلى ذاتي، ويلهمني رؤية الوجود مِنْ حولي بشكل متجدد. بعدها، يأتي التعبير؛ ليكون نتاج حوار ذاتي مطوّل، جال في خاطري، قبل أن ترسمه ريشتي.
هل تعتقدين أن الفن يغيّر العالم.. أم يغيّرنا نحن أولاً؟
الفن أشبه بالخريطة الكونية؛ فحين تستقر الأفكار، وتأخذ مكانها المدروس في اللوحات الفنية بأشكال ذات معنى، وألوان تعكس حركة ما بداخلنا، تتكون بوصلة، يشكّلها مخزون الذات. وحينها، يأتي الفن؛ ليمنحنا نظرة مقربة على أسرار الذات الإنسانية، ويرشدنا إلى أجوبة استعصت علينا أسئلتها. إن أيَّ تغير نرجوه في الحياة يبدأ - دائماً، وأبداً - مِنْ أنفسنا، وليس من الآخر، أو من المحيط، وهنا يأتي الفن دليلاً لكل من أدرك أهمية التغيير، والتحسين.
ما الذي يمنحكِ شعوراً حقيقياً بالرضا في حياتك اليومية؟
أبسط الأمور في الحياة تُشعرني بالرضا، وألتمسها دائماً في طيبة الأشخاص بعلاقاتي الإنسانية، العابرة أو الدائمة. ولحظات السكينة الداخلية هي أكثر ما أمتن له، وتأتي في أوقات الشدة أو الرخاء، ولا ترتبط بالمحيط، ولا بالأحداث، وإنما هي ثبات داخلي، يتمحور حول تقديري لذاتي، ومعرفة أنه كلما تغيرت الظروف سأكون سنداً لها.
لغة أخرى للتعبير
إلى جانب الفن.. هل هناك شغف آخر، أو اهتمامات أخرى، تشغل مساحتكِ الخاصة؟
أحب ممارسة الرياضة، وتجربة أنواع مختلفة من الأنشطة. ومؤخراً، صار لديّ اهتمام بالرياضات الشتوية، ومنها التزلج. ومع أنني ما زلت مبتدئة، لكنني أستمتع بتفاصيل التجربة، خاصة أثناء السفر لأطلع على بيئات مختلفة في ممارستها.
-
حلق وخاتم One Way من البلاتينيوم والسافير والأونيكس والألماس من Cartier - فستان من Giambattista Valli
ما الحلم، الذي لا يزال يرافقك؟
أن أقضي وقتاً أكثر بين ألواني ولوحاتي؛ لأجد مساحة التعبير التي تشبع حواسي كافة؛ فعندما أرسم وألوّن؛ أشعر بأنني متصلة بجوهري، وبتجربتي الإنسانية الصادقة. هنا، لا أجد تأثيراً لأي توقعات خارجة عن ذاتي، وأعبر بطريقة تصلني بشعوري في كل لحظة. وأتمنى أن تكون أعمالي نافذة لمن ينظر إليها؛ ليحدّث نفسه، ويشفي ما لديه من تساؤلات.
هل ترين الموضة تعبيراً، أم متعة، أم امتداداً لشخصيتكِ؟
طريقتي في اختيار ملابسي تعكس شخصيتي، ولا أتأثر كثيراً بالصيحات الجديدة، وإنما أنتقي ما يناسبني، ويعبر عني، وعما أراه جميلاً. كما أهتم كثيراً بتنسيق الأشياء، وتركيبها بطريقة أراها ممتعة، وتوحي فيها الألوان بمعنى خاص بي. كذلك، أحب البساطة في التنسيق، وأن يكون ما أرتديه مريحاً، ويتناسب مع حياتي اليومية.
ما المجوهرات التي تشبهكِ أكثر، وتشعرين بأنها تعبّر عنكِ؟
المجوهرات ذات الرونق، والبساطة في التصميم، التي تدور حول قصة إبداعية امتاز بها صانعها. فأحب أن أقتني القطع، التي تلفت انتباهي، بتصميمها وحرفيتها المميزة. وأستمتع أكثر؛ عندما تكون قطع المجوهرات مستوحاة من حركة فنية تاريخية، أو مستلهمة من القصة الشخصية لصانعها. وإذا امتزج المعنى بالتصميم؛ فإنه يضفي جمالاً براقاً على القطع، يجعلها تناسب كل زمان.
ما النصيحة، التي تمنيتِ سماعها في بداياتك، وتحبين اليوم أن تمنحيها لمن يبحث عن صوته الخاص؟
صدق التعبير، والثقة بالنفس، مهمان للاتصال بجوهر الذات، والبوصلة الحقيقية هي بوصلة الذات، وموطنها القلب. وإذا دخلت الشكوك - المنبعثة من النفس، أو المحيط - فإنها تُفسد الجوهر، إلى أن تنقطع الصلة به شيئاً فشيئاً. كما أن حب الذات له بُعْدٌ عميق غير ما تروّجه المادة، فهو يتمثل في الإنصات إلى الصوت الخافت، الذي يريد أن يغرد طرباً؛ ليعلن حبه للحياة.