عائشة سيف الحمراني: الذاكرة الإماراتية نسيج حيّ يتجدد مع الزمن

لا تولد البدايات الفنية من فراغ، بل من حساسية مبكرة، ترفض الامتثال لما هو مكتمل سلفًا، وتفتّش عن مساحة تقول فيها الذات ما لا تقوله القوالب الجاهزة.. هكذا ظهرت الشرارة الأولى في مسيرة الفنانة البصرية الإماراتية، عائشة سيف الحمراني؛ منذ أن كانت طفلة تنجذب إلى مساحات البياض، التي تمنح الخيال فرصة؛ ليعي

 

لا تولد البدايات الفنية من فراغ، بل من حساسية مبكرة، ترفض الامتثال لما هو مكتمل سلفًا، وتفتّش عن مساحة تقول فيها الذات ما لا تقوله القوالب الجاهزة.. هكذا ظهرت الشرارة الأولى في مسيرة الفنانة البصرية الإماراتية، عائشة سيف الحمراني؛ منذ أن كانت طفلة تنجذب إلى مساحات البياض، التي تمنح الخيال فرصة؛ ليعيد ترتيب العالم كما يريد. كبرت تلك الشرارة، ونضجت لتتحوّل إلى رؤية معاصرة، تستعيد الذاكرة الشعبية الإماراتية، كنسيج ثقافي حيّ، يختزل الزمن، ويتجدّد معه. وفي أعمال الحمراني، تمتزج الهوية باليومي، والطفولة بالمشهد الاجتماعي، ويتداخل الكاريكاتير الرقمي مع الرسم التقليدي في سرد بصري دافئ، يُعيد صياغة مفهوم المكان، والذات، والعاطفة.. في هذا الحوار، تتألق عائشة سيف الحمراني بتشكيلة «ماكس مارا» (MAX MARA) لرمضان 2026، وتتحدث عن رؤيتها لمستقبل الفن في ظل التحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وعن الرمزية الروحية لشهر رمضان، حيث تتقاطع الطقوس مع الإلهام، ويغدو الفن مساحةً للتأمل، ولغةً للتفسير:

  • عباية «Passo»، من تشكيلة رمضان Max Mara Special Edition 2026 حقيبة «Whitney»، من Max Mara

عندما ننظر إلى تجربتكِ الفنية؛ نشعر بأنّ هناك عالماً كاملاً من الطفولة، والذاكرة، والحسّ الأنثوي.. من أين تبدأ الحكاية؟

تبدأ الحكاية من قناعة مبكرة؛ تشكّلت لديَّ - منذ الطفولة - بضرورة إعادة سرد القصص، ووجهات النظر من رؤية خاصة. أتذكر نفوري من دفاتر التلوين الجاهزة، وميلي الفطري إلى المواد الخام وغير المكتملة؛ لأنها كانت تتيح لي مساحة أوسع؛ لوضع بصمتي الخاصة والتعبير بحرية، بعيدًا عن القوالب الجاهزة. هذه النزعة ساعدتني في تجنّب ما هو مكتمل مسبقاً، والبحث عمّا يسمح لي بالتشكيل، ونضجت معي بمرور الوقت، وتحولت من إحساس طفولي إلى مبدأ واعٍ. في طفولتي، لم تتوفر لي الأدوات، أو المساحة الكافية للتعبير، كما هي متاحة اليوم، لكن ما كان مؤجلًا آنذاك، وجد طريقه الآن بشكل أوضح، وأكثر عمقًا.

طفولة فنية

كفنانة.. هل تحكين عن الماضي، أم المستقبل، أم أن الزمن لديكِ دائري؟

أميل إلى الزمن؛ بوصفه حركةً دائريةً لا خطّية. وتحيي أعمالي الماضي من داخل الحاضر، وليس كنوستالجيا، أو كاستعادة متحفية، بل كتجربة قابلة للتجدد. ولا يقف الماضي عند الحدود الزمنية، أو التقاليد بشكلها الأول؛ فكلا الأمرين كيان حي، يتأقلم مع البيئة، ويتحوّل وفق السياق، ونمط الحياة. لذلك، لا أفصل بين زمنين، بل أسمح لهما بالالتقاء؛ ليُقرأ الماضي بلغتنا المعاصرة، ويجد مستقبله في «المخيلة».

كيف تغيّرت علاقتكِ بالفن، بمرور السنوات؟

في بداياتي، كنت أتعامل مع الفن كهواية، أو وسيلة للترويح عن النفس، وحاولت - دون نجاح - فصل هويتي الإبداعية عن المساحات الدراسية، والمهنية. ومع الوقت، أدركت أن هويتي - كفنانة - ليست جزءًا من كياني، بل هي كياني نفسه، ولا يمكنني الانفصال عنها. فازداد يقيني بأن الفن من أكثر اللغات الإنسانية قدرةً على الوصول إلى الناس؛ لأنه لغة عابرة للفروق. واليوم، أصبحت علاقتي بالفن مرتبطة، أيضًا، بالاقتصاد الإبداعي؛ والمساحة التي أعمل على تطويرها وصقلها؛ لضمان الاستمرارية، وتخصيص وقت حقيقي لها دون تشتت.

كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في مفاهيمك الأساسية بالعمل الفني؟

الذكاء الاصطناعي واقع لا يمكن تجاهله، أو الهروب منه. لكنه، في البداية، شكّل صدمة حقيقية لي، خاصة أن الصناعات الإبداعية كانت تُعد - حتى وقت قريب - من القطاعات «الآمنة»، في وجه الثورة التكنولوجية. لكن الواقع أثبت عكس ذلك، إذ انتشرت الأعمال التي يتم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، وتبنّت جهات عدة هذه الأدوات؛ بدلًا من الاعتماد على الفنانين.

في الكاريكاتير الرقمي.. هل تكمن القوة في السخرية، أم في طريقة تقديمها؟

نجاح الكاريكاتير - برأيي - لا يتعلق بالوسيط، بل بالفكرة والطريقة معًا. فالقوة تكمن في قدرة الفنان على التقاط الملامح بروح ساخرة وصادقة، وفي موضوع قريب من الناس، يلامس واقعهم، ويثير النقاش.

  • عباية Amorosso من تشكيلة رمضان Max Mara Special Edition 2026 حقيبة «Whitney»، من Max Mara

في الكاريكاتير الرقمي.. هل تكمن القوة في السخرية، أم في طريقة تقديمها؟

نجاح الكاريكاتير - برأيي - لا يتعلق بالوسيط، بل بالفكرة والطريقة معًا. فالقوة تكمن في قدرة الفنان على التقاط الملامح بروح ساخرة وصادقة، وفي موضوع قريب من الناس، يلامس واقعهم، ويثير النقاش.

ذاكرة مكانية

تعتمد أعمالك على ذاكرة المكان والثقافة الشعبية الإماراتية.. ما الذي يجذبك في هذه الذاكرة؟

نشأتُ في الإمارات، ولم أختبر العيش خارج هذا المجتمع؛ فأدركت أهمية توثيق الثقافة المحلية، خاصةً المعاصرة منها. أحياناً، نعتقد أن ما نعيشه لا يستحق العرض؛ لأننا تعودنا عليه، ويتغير هذا الاعتقاد؛ حينما نراه بعيون الآخرين. فعندما يحاول شخص، من خارج السياق، تمثيل ثقافتنا بقراءة غير دقيقة، أو حين نرى اهتمام الزائرين بتفاصيل نعدّها عادية؛ نكتشف قيمتها الحقيقية. 

في زمن متسارع ثقافياً، وتقنياً.. كيف تنظرين إلى علاقة الفن بالهوية؟

أراها كنزًا متجددًا، في عالم يتحول إلى «قرية افتراضية واحدة»، قد تتشابه فيها الذاكرة الجمعية، وتضعف الخصوصيات المحلية. ومن خلال الفن، يمكننا إعادة تقديم هويتنا بلغة اليوم، مستندين إلى تاريخنا، وبيئتنا، وأدوات معاصرة، تعبّر عن الفرد في هذه المنطقة.

يصفون المرأة بأنها «عاطفية»؛ فهل العاطفة قوة، أم عبء في الفن؟

الإنسان كائن عاطفي بطبيعته، والعاطفة جزء من إنسانيته، وقد تختلف طرق التعبير عنها، لكنها تظل ما يميز الإنسان عن غيره. وأرى أن أنجح المبدعين من يستطيعون تمثيل الآخرين، والتحدث بلسانهم، كما أن قوة المبدع تكمن في قدرته على التعاطف، حتى مع مشاعر لم يعشها شخصيًا، والتعبير عنها بأدواته الفنية.

  • عباية «Malpe»، باللون البني، من تشكيلة رمضان Max Mara Special Edition 2026

هل يغيّر الفن نظرة المرأة إلى نفسها، أم يكشف ما كان خافيًا منها؟

الفن أداة قوية؛ للتعبير عن الذات. وعبر التاريخ، وُضِعَت المرأة في قوالب نمطية، فتبنتها دون وعي. وكثيرًا ما أقرأ نصوصًا؛ فأظنها كُتبت بيد امرأة، ثم أكتشف أن الكاتب ليس امرأة؛ فتبدو التجربة مفروضة أكثر من كونها معبّرة. في المقابل، عندما تعبّر المرأة عن نفسها، أجدني غالبًا أرى ذاتي فيها. لهذا، أؤمن بأهمية أن تنتج المرأة أعمالها، بعيدًا عن الصور الجاهزة.

طقوس رمضانية

ما الذي يتغير فيكِ، خلال رمضان؟

رمضان يكسر النمط اليومي المعتاد؛ فيبطئ النهار، ويكثف الحياة الاجتماعية ليلًا. وهذا، لديَّ، يترافق مع طلبات تعاون موسمية، وألاحظ كيف يعبّر كثيرون من المبدعين عن علاقتهم مع هذا الشهر بأعمالهم.

ما علاقتكِ بهذه الطقوس، وهل للروتين دور في الإبداع؟

الإبداع مصدر رزقي؛ لذلك أحرص على تصميم مسار عمل واضح. وهناك جانب شخصي مرتبط بالحالة النفسية، وآخر مهني يتضمن مراحل واضحة من العصف الذهني حتى الإنتاج؛ لضمان وضوح الرؤية مع مَنْ أتعاون معهم.

دائماً تقولين: «إن الفن لغة»؛ فهل الأزياء لغة أيضًا؟

بالتأكيد.. فالأزياء وسيلة تعبير، وسرد بصري، وهي قادرة على تمثيل الثقافة، ونمط الحياة، تمامًا كأي شكل فني آخر.

  • قميص وبنطلون «Lusso»، من تشكيلة رمضان Max Mara Special Edition 2026

الراحة، أم الفكرة.. أيتهما تسبق عند اختيار إطلالاتك؟

يعتمد ذلك على المناسبة، لكنني أقدّر الراحة؛ لأنها تؤثر في حضوري وتواصلي. وفي الوقت ذاته، أحب أن تحمل الإطلالة فكرة أو قصة، وأن تكون مدخلًا للحوار، والفضول.

أي مستقبل تتمنين للفن.. أن يكون أكثر حريةً، أم أكثر مسؤوليةً؟

لا أرى تعارضاً بين الحرية والمسؤولية؛ فالفنان الحرّ يشعر بواجب تجاه العالم الذي يتوجّه إليه. والحرية بلا مسؤولية تتحوّل إلى ضوضاء، والمسؤولية بلا حرية تتحوّل إلى تقليد. والفن يحتاج إلى الاثنتين معًا؛ ليبقى حيًا، ومؤثرًا.