كيف كان يبدو بيتي قبل أن أعرفك؟!.. فوضى! غابة من الفوضى!.. لا أزال أذكر شكل أغراضي مترامية فوق بعضها.. للجميع كنت أبدو مُهْمِلَةً، وحدك أنت ربتَّ على كتفي، قائلاً: «لستِ كسولة بل مُرهَقة، تشعرين بفقدانك السيطرة». وجدرانه كانت خالية.. للجميع تبدو شاحبة تفتقد الصور، والذكريات، وحدك قرأت الحقيقة، يوم ضمتني عيناك، بهمسهما: «لماذا تخافين أن تتركي أثراً؟!.. كأنك تعيشين ضيفةً في حياتك!.. متى ستنتمين؟!».

كنت أرفض التخلص من أشيائي القديمة غير ذات القيمة، وأردد - بهوس - أنني قد أحتاجها لاحقاً.. للجميع كنت أبدو بخيلة تعشق الاكتناز، وحدك فهمت مشكلتي؛ حين قلت بحزمك الرفيق: «الأشياء المتراكمة تمثل قرارات لم تُحسم، وأبواب مشاعر مواربة، حائرة بين فتح وغلق!». 

لم أكن أهتم بأن مرتبة سريري كانت مزعجة، وإضاءة الغرفة كانت قاسية.. للجميع كنت أبدو غريبة الأطوار، وحدك مسحت على شعري، هامساً: «لماذا لا تسمحين لنفسك بالراحة؟!.. كأنها ذنب تهربين منه!». كنت أجدني أجلس في الزاوية، على طرف الأريكة.. للجميع كنت أبدو انطوائية، وحدك فهمت ما أقاسيه، يومَ قلتَ: «وكأنكِ اعتدتِ أن تكوني على الهامش، لا في بؤرة الضوء، ولا في موقع الأمان». وعندما كانوا يعطونني ورقة وأقلاماً؛ كي أرسم أكثر ما يشبهني، كنت أرسم طائر «فلامنغو» يقف على ساق واحدة.. للجميع كان يبدو في وضع «المتعجرف»، المتباهي بقدرته على التوازن في هذا الوضع، وكالعادة وحدك رأيت في وقفته المتأهبة حذراً، يدفعه إلى الهرب في أي لحظة!

«تعرفين لماذا يقف (الفلامنغو) على ساق واحدة؟!».. سألتني، وأنتَ تضع خاتمك في إصبعي، فمنحتك الجواب العملي البارد، الذي ما كنت حينها أجيد سواه: «توفيراً لطاقته؛ يناوب بين ساقيه، ويتكيف مع البرد فلا يفقد حرارته بسرعة!». فالتمعت عيناك تلك اللمعة التي سرقت من السماء نجمة، وأنت تزرع الدفء بين حروفك: «لأنه يقرأ الحاضر فحسب؛ يبقى متأهباً خائفاً من الماضي، حذراً من الغد. أما آن لطائرك الوَجِل أن يهدأ؟!.. أن يستريح على ساقيه الاثنتين مطمئناً؟!». لم تكن تسألني حينها، بل كنت تجيب!.. نعم: آن له أن يفعل..!

واليوم - وأنا أجول ببصري في بيتنا الجديد - أوقن أنني أدركت معجزتي!.. ما عادت الفوضى تبرر إرهاقي، صرت أجيد التخلص من أغراضي القديمة، أطفئ الأنوار ليلاً قبل أن يحتويني فراشي المريح، لي كرسي واسعٌ في منتصف غرفة المعيشة، وعلى الجدران صرت أحتفظ بذكرياتنا، وقلمي «الوردي» صار يرسم طائر «الفلامنغو» لا بساقين اثنتين، بل نبتت له ثالثة!.. أجل صار بثلاث سيقان.. واحدة للحنين تملك ذاكرة تعانق الماضي، وواحدة للحُلْم تملك نافذة تطلُّ على الغد، وواحدة للحاضر تدرك أنها لن تصل إلا سائرة بجوارك.. لو لم يكن هذا هو الحب، فماذا يكون؟!