في الوعي الجمعي العربي، تَبْرُز كلمة «العيب» واحدةً من أكثر المفردات سَطْوَةً، وتأثيراً؛ فهي ليست مجرد لفظة تقال، بل منظومة قيمية متكاملة، وقانون غير مكتوب، يسبق - في فاعليته أحياناً - نصوص الدساتير، وأحكام القضاء. إن «العيب»، في مجتمعاتنا العربية، يمثل سلطة قائمة بذاتها، تُمَارِس دور الرقيب على السلوك، والموجه للأفكار، والحارس لبوابة التقاليد.
لكن، كما هي حال كل القوى الاجتماعية، تظل هذه السلطة سلاحاً ذا حدَّيْن؛ فهي تارة تمثل الدرع، التي تحمي النسيج الاجتماعي من التآكل، وتارة أخرى تتحول إلى قَيْد يخنق الفرد، ويُصادر حقوقه المشروعة، تحت ذريعة «كلام الناس»!
تبدأ «فلسفة العيب» كأداة للضبط الاجتماعي. وفي غياب الرقابة المؤسساتية الدائمة، يقوم «العيب» بدور «البوصلة الأخلاقية»، التي توجه الفرد نحو احترام الكبير، وإكرام الضيف، ومساعدة الضعيف، والحفاظ على الحشمة والوقار في الفضاء العام.. إنها «الرقابة الذاتية»، التي تَنْبُع من الرغبة في الانتماء؛ فالفرد يخشى العيب؛ لأنه يخشى العزلة، أو الوصمة التي قد تَلْحَق به، أو بعائلته.
إلا أن هذه الصورة المثالية للسلطة الاجتماعية سرعان ما تصطدم بالجانب المظلم؛ عندما يتحول «العيب» إلى أداة للقمع المجتمعي. ففي كثير من الأحيان، يُسْتَخْدم «مصطلح العيب»؛ لإسكات صوت المطالبة بالعدالة، أو لمنع نقد ممارسات بالية، لم تعد تتناسب مع معطيات العصر. ونرى ذلك؛ عندما يُعَدُّ تعبير الفرد عن رأيه المخالف «عيباً»؛ بحجة الخروج عن الجماعة، أو عندما تُحْرم فئاتٌ اجتماعية فرصَها في التعليم، أو العمل؛ لأن نظرة المجتمع لا تتقبل ذلك. وفي هذه الحالة، يتحول «العيب» من «حارس للقيم» إلى «سجان للإبداع»، ويصبح أداة في يد «السلطة الأبوية» للمجتمع؛ للحفاظ على موازين القوى التقليدية؛ ما يؤدي إلى حالة من «الانفصام»، بين ما يفعله الناس في الخفاء، وما يَدَّعونه في العلن؛ خوفاً من «سطوة» هذا «المصطلح».
وأمام هذا الصدام، تبرز الحاجة الملحة إلى البحث عن بدائل أكثر حداثةً، ووضوحاً، كالانتقال من «سلطة العيب» إلى ثقافة الذوق، وسيادة القانون. فالقانون يسنُّ حدوداً موضوعية واضحة للمخطئ، والمصيب، بعيداً عن «المزاجية الاجتماعية»، أو التفسيرات الشخصية للأعراف. أما الذوق، فهو البديل الحضاري للعيب؛ إذ ينبع من رقي الفرد الداخلي، واحترامه خصوصية وحرية الآخرين، دون الخوف من «وصمة اجتماعية».
إن الانتقال إلى مجتمع يحكمه الذوق؛ يعني أن الفرد لا يمتنع عن الخطأ؛ خوفاً على سمعته، بل يمتنع عنه؛ احتراماً لذاته، وللمجال العام.
ويبقى السؤال الجوهري، الذي يجب أن يطرحه كل فرد في مجتمعنا: متى نقول: «هذا عيب»، ومتى نقول: «هذا حق»؟.. إن الإجابة تكمن في إعادة تعريف المعيار؛ فكل ما ينتهك كرامة الإنسان، أو يسيء إلى الذوق العام، أو يَضُرُّ بالآخرين «عيب»؛ يجب التصدي له. أما ما يتعلق بحرية الفرد في التفكير، والتطور، وتحقيق الذات بما لا يضر المجتمع، فهو حق أصيل لا يجوز لـ«سلطة العيب» أن تمنعه.
إن نضج المجتمعات العربية لا يقاس بمدى تمسكها بكلمة «عيب» ككلمة مطلقة، بل بمدى قدرتها على التمييز بين القيم الأصيلة، التي تبني الإنسان، وبين الأغلال الاجتماعية، التي تُعيق مسيرته نحو المستقبل.