في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، تظل الأعمال الفنية، التي تنبع من الذات، وتُبقي جذورها متصلة بالتاريخ والثقافة المحلية أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير.. هكذا يصف الفنان الإماراتي، محمد كاظم، تجربته التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود من البحث، والملاحظة، وإعادة صياغة العالم بلغة مفاهيمية تحتفي بالتفاصيل اليومية.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، يكشف كاظم ملامح رحلته الفنية، التي بدأها شابًا في الرابعة عشرة؛ لينحت لنفسه مسارًا فنيًا؛ جعله واحدًا من أبرز الأسماء الإماراتية، المعروفة في المحافل الدولية.

  • محمد كاظم: أنا ابن المكان وصوتي ممتد عبر الجغرافيا

بدايات

كيف بدأت رحلتك في عالم الفن؟

انطلقتْ رحلتي منذ الصغر، فقد كنت مهتمًا بجمع الأشياء والرسم، وانضممت إلى جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في سن الرابعة عشرة. وهناك التقيت الفنان حسن شريف، الذي شكّل محطة محورية في مسيرتي. كان شريف معلمًا ملهِمًا، فتح أمامي باب الفن المفاهيمي، وعلمني أهمية التوثيق والأرشفة والوعي بالتجربة الفنية، كجزء من العمل نفسه. بدأت تعليمي الفني بشكل غير رسمي، ولاحقًا حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من فيلادلفيا.

في أعمالك.. ما الذي قادك إلى استخدام الصوت، والضوء، والإحداثيات؟

في البداية، كان الأمر مجرد رغبة في التعبير عن نفسي، وكان الرسم والتصوير طريقتي في التواصل. كنت منجذبًا - بشكل خاص - إلى اللون، والحركة، وقضيت وقتًا طويلاً أتأمل لوحات الانطباعيين، وقد شكلت تلك الفترة جزءًا كبيرًا من شخصيتي الفنية. وبمرور الوقت، بدأت استخدام أدوات أخرى، تتجاوز الجانب البصري، مثل: الصوت، والضوء، والإحداثيات الجغرافية، وهي أدوات تسمح لي بتوثيق اللحظات، والحركة، والإدراك، بطريقة مختلفة.

  • محمد كاظم: أنا ابن المكان وصوتي ممتد عبر الجغرافيا

كيف ترى الفن المفاهيمي.. اليوم؟

لا أعتبر الفن المفاهيمي أسلوبًا بل تفكيرًا. إنه منهج في فهم العالم، وكيف يمكن لفعل بسيط مثل «المشي» أن يتحوّل إلى عمل فني بمجرد تأطيره. هذا هو جوهر الفن المفاهيمي: تحويل المألوف إلى تجربة تأملية.

أعمال.. ومشاريع

مع كثرة أعمالك المرتبطة بالبيئة المحلية.. كيف تختار مواضيعك؟

الانطلاق، دائمًا، من التجربة الشخصية؛ فقد تكون فكرة العمل من صوت أو نزهة أو لحظة تأمل. لكنني أحرص على وعي السياق؛ فالذات لا تنفصل عن المجتمع. على سبيل المثال، أحد مشاريعي انطلق من ملاحظة التغيرات العمرانية في الإمارات، لكنه توسّع ليتناول فكرة التحول في المكان والهوية.

«اتجاهات».. في هذا العمل استخدمت الإحداثيات الجغرافية، وموقع دبي؛ فما الرسالة التي أردت إيصالها؟

يتناول «اتجاهات» الطريقة، التي نضع بها أنفسنا في العالم. وباستخدام بيانات نظام تحديد المواقع، وعلامات المواقع، أتساءل: أين نحن فعلاً؟.. هل نحن ثابتون، أم في حالة حركة دائمة؟.. دبي المكان الذي أنتمي إليه، لكن - من خلال هذا العمل - أربطها بكل مكان زرته؛ لتصبح جزءًا من خريطة عالمية أوسع للتجربة الحية.

  • محمد كاظم: أنا ابن المكان وصوتي ممتد عبر الجغرافيا

هوية.. وانفتاح

كيف ترى العلاقة بين الفن والهوية الإماراتية، وما الدور الذي يمكن أن يلعبه في ربط الأجيال الجديدة بثقافتها؟

وتيرة التغير في الإمارات قد تبدو متسارعة للآخرين، لكنها - بالنسبة لنا - جزء من إيقاع الحياة اليومية. إنني أحمل الماضي في ذاكرتي، وأتجوّل به عبر العالم، لكنني - في الوقت نفسه - متحمّس لما يحمله المستقبل. ومن خلال عملي، أسعى للبقاء متجذرًا في المكان الذي أنتمي إليه، ومنفتحًا على التحولات، ومواكبًا لما هو آتٍ. وهنا يأتي دور الفن كوسيلة حيوية لربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، وتمكينها من تخيّل مستقبلها بعيون مفتوحة. فالثقافة في الإمارات ليست شيئًا جامدًا، محفوظًا في صندوق زجاجي، بل كائن حي يتفاعل مع الزمن. ومن خلال الفن، يمكننا تفعيل هذا الوعي، والاحتفاء بتفاصيل الحياة اليومية، بما تحمله من رموز ودلالات. لهذا أشجّع الفنانين الشباب على اكتشاف تلك التفاصيل والتمسك بها، في ظل ما توفره الساحة اليوم من فرص، مثل: الإقامات الفنية، والمنح الدراسية، والمشاركات في فعاليات دولية كـ«بينالي الشارقة»، و«بينالي البندقية».

هل تعتبر نفسك فنانًا محليًا، أم عالميًا؟

أنا فنان إماراتي بعمق، لكنني جزء من الحوار الفني العالمي. ومنذ عام 2003، أمثل غاليري «دوروثيا فان دير كولين» في مدينة ماينز بألمانيا، ما ساعد على إيصال أعمالي إلى جمهور دولي أوسع. إن انتمائي إلى المكان واضح، لكن أعمالي تسافر، وتتفاعل مع ثقافات عدة، وكذلك أدواتي (كالضوء، والصوت) تتجاوز اللغة، وتخاطب الإنسان في كل مكان. 

  • محمد كاظم: أنا ابن المكان وصوتي ممتد عبر الجغرافيا

معارض.. وتجربة عالمية

شاركت في فعاليات كبرى مثل «بينالي البندقية».. كيف أثّرت هذه التجارب في مسيرتك الفنية؟

اشتركت بـ«جناح الإمارات» في «بينالي البندقية» عام 2013، وكان تجربة محورية لي. فقد عرضت عملًا صوتيًا بصريًا، غمر الجمهور بإحساس وهمي بالحركة فوق سطح الماء. فالكثيرون شعروا بالدوار أو التأمل أو الحيرة، وهذه الاستجابة الجسدية أثبتت لي أن المفاهيم يمكن أن تعاش، لا أن تُفهم فقط ذهنيًا.

اليوم.. ما أبرز التحديات، التي تواجه الفنان العربي؟

 التحدي لم يعد الوصول إلى المنصات العالمية، بل الحفاظ على الجذور. لذا أحرص، دائمًا، على أن يكون عملي صادقًا، ومرتبطًا بتجربتي الشخصية، حتى لو تم عرضه في صالات أوروبية؛ فقد بات العالم أكثر انفتاحًا، والدور الآن على الفنان ليُبقي عمله حقيقيًا.

هل يختلف تلقي الجمهور العربي لأعمالك.. عن الغربي؟

بالتأكيد.. ففي الغرب، يوجد إرث طويل من التعليم والنقاش حول الفن المفاهيمي، ما يجعل الجمهور أكثر استعدادًا للتفاعل مع العمل التجريبي. أما في العالم العربي، فهذا النوع من الفنون لا يزال في طَوْر التشكّل، لكن التغيّر سريع، والإقبال في تصاعد.

  • محمد كاظم: أنا ابن المكان وصوتي ممتد عبر الجغرافيا

ذات.. ومستقبل

ما المشروع الأقرب إلى قلبك؟

سلسلة وأعمال «الخدش» قريبة جدًا مني؛ لأنها مستمرة، وتتطور بمرور الوقت، تمامًا كما أتطور أنا. كما أنني أرسم، وأقوم بأعمال أخرى أكثر تجريبًا، فأنا لا أبحث عن إيصال فكرة واحدة، بل عن إحداث حالة تأمل؛ فالذهاب إلى المرسم يوميًا يصنع الفرق، وليس النتيجة فقط.

كيف ترى مستقبل الفن المفاهيمي في العالم العربي، وما نصيحتك للفنانين الشباب؟

اللحظة الحالية واعدة، والمشهد الفني في تطور مستمر، والمؤسسات بدأت تتبنى التجريب بجرأة. لذلك أقول للفنانين الشباب: لا تنتظروا الظروف المثالية، فانطلقوا من حيث أنتم، وابدؤوا بما لديكم، ودعوا العمل يقودكم.