بين أزقة القوز في دبي، ولدت فكرةُ لم تكن مجرد مشروع عمراني أو فني، بل كانت رهاناً على استنبات فعل ثقافي مستدام، في قلب الصحراء، والمدنية الحديثة. اليوم، يقف «السركال أفنيو» ليس كوجهة سياحية فحسب، بل كحاضنة فكرية ومنظومة عابرة للحدود. وفي هذا الحوار الخاص، نلتقي عبد المنعم السركال، الرجل الذي صاغ - برؤيته - ملامح الاقتصاد الإبداعي؛ ليحدثنا عن فلسفة «الأفنيو»، بعد سنوات من التأسيس، وعن الشراكة التاريخية مع «ديزاين ميامي»، التي تَعِدُ بنقلة نوعية في مشهد التصميم العالمي، انطلاقاً من دبي.. وهذا نص الحوار:

  • عبد المنعم السركال: شراكتنا مع «ديزاين ميامي» رؤية لصياغة المستقبل بروح إماراتية

اليوم، كيف تعيدون قراءة رحلة «الأفنيو»، وما الرؤية الجوهرية التي حولته من منطقة صناعية إلى إحدى أبرز الحواضن الثقافية بالمنطقة؟

لم يكن «السركال أفنيو»، يوماً، سقفاً لطموحاتنا، بل اعتبرناه دائماً برهاناً حياً على رؤيتنا بإمكانية غرس الممارسة الثقافية، وتجذيرها في سياقنا المحلي، مع الحفاظ على انفتاح واعٍ، وتفاعل عميق مع المشهد العالمي. لقد أردنا إثبات أن الفنانين والمؤسسات والجمهور، يمكنهم التعايش ضمن منظومة واحدة متكاملة، بعيداً عن العزلة. ومع تطور الهوية الثقافية لدبي، تحول دورنا من مجرد تأسيس «منطقة إبداعية»، إلى توسيع آفاق الممكن الثقافي في المنطقة بأكملها. وما أراه، اليوم، هو نقلة واعية نحو بناء منظومة ثقافية شاملة، ترعى المواهب عبر مسارات خلاقة، وتمكين مساعي التنمية الثقافية بعيدة الأمد، من خلال تعاونات، تتجاوز حدود الإمارة؛ لتصل إلى العالمية.

الثقافة «رافعة اقتصادية» 

لطالما أكدتَ أن الثقافة ليست ترفاً، بل رافعة اقتصادية ومعرفية.. كيف تترجم هذه القناعة في دعم الاقتصاد الإبداعي بدبي؟

الثقافة تصبح محركاً اقتصادياً؛ حين نعاملها كبنية تحتية ضرورية. وفي «السركال»، نستثمر في المنظومات لا في البرامج المؤقتة. ومن خلال الدعم المستدام للمبدعين، فنانين ومصممين وقيّمين، نساهم في نضج الممارسات الإبداعية، وتحويلها إلى مسارات مهنية مستقرة. هذا النهج يعزز الاقتصاد الإبداعي، عبر مد الجسور بين الإنتاج الثقافي، وقطاعات، مثل: التعليم، والتكنولوجيا. فحين تصبح الثقافة جزءاً من طرق عمل الناس وابتكارهم، تتجاوز قيمتها الأرقام المالية؛ لتصبح «رأس المال الفكري»، والنسيج الاجتماعي المتماسك، ما يمنحنا حضوراً مؤثراً على الساحة الدولية.

  • عبد المنعم السركال: شراكتنا مع «ديزاين ميامي» رؤية لصياغة المستقبل بروح إماراتية

مؤخراً، أعلنت عن شراكة طويلة الأمد مع منصة «ديزاين ميامي» العالمية.. ما دلالة هذه الخطوة في هذا التوقيت؟

هذه الشراكة رافد جوهري لمقاربتنا حول أثر الفعل الثقافي. فنحن لا نسعى إلى استنساخ نماذج جاهزة، بل نفتح آفاقاً لاكتشاف كيف يمكن للتصميم أن يتقاطع مع الجغرافيا، والمعرفة. و«ديزاين ميامي» تجلب خبرة عقدين في بناء منصات تجمع المُفكِّرين، والمصمِّمين، والغاليريهات، والمقتنين، لكننا نرسخ هذه الشراكة في دبي؛ لتنطلق من رؤى وسياقات منطقتنا؛ فنحن نؤسس لمنصة تتيح لنا الانخراط في المشهد العالمي «بشروطنا»، وسياقنا الحضاري. ودخول هذه المنصة إلى الشرق الأوسط؛ يعني انتقال منطقتنا من مقعد «المشارك»، إلى موقع «المساهم المباشر» في صياغة المشهد العالمي. إنها اعتراف بالمنطقة كفضاء مُنْتج للقيمة الثقافية، وليست مجرد سوق ناشئة.

ماذا ننتظر من المنصة المشتركة، وكيف ستسلط الضوء على المصممين المحليين، وقطعهم المتفردة، عالمياً؟

 «المنصة» ستنطلق عام 2027، ونحن ننظر إلى هذا العام كإطار زمني؛ لبناء بيئة مستدامة للحوار، وليس كمجرد حدث عابر. وبالاتكاء على شبكة «ديزاين ميامي» العالمية، وجذور «السركال» الراسخة، ســــنفتح جـــســـوراً تمكن مصممينا من الوصول إلى العالمية. وسنقدم قطعهم المتفردة بأسلوب يُصغي إلـــى خصوصيتـها الثقافية، ويمنحها حضوراً دولياً، دون انتزاعها من سياقها الأصلي. وهدفنا أن يكون نتاج منطقتنا جزءاً أصيلاً، ومكملاً للمشهد العالمي، وليس مجرد إضافة هامشية.

  • عبد المنعم السركال: شراكتنا مع «ديزاين ميامي» رؤية لصياغة المستقبل بروح إماراتية

كيف ستتكامل خبرة «ديزاين ميامي»، الممتدة إلى 20 عاماً، مع خصوصية «السركال أفنيو»، وأولوياته المحلية؟

 التكامل، هنا، عضوي؛ فخبرتهم - في بناء واستدامة منظومات التصميم العالمية - تلتقي مع أولوياتنا في التنمية الثقافية، والتجريب. فنحن «نموضع» هذه الخبرة العالمية داخل سياقنا المحلي. وهذا التوازن يضمن أن تخدم الشبكات العالمية سردياتنا الوطنية، ما يرسخ مكانة دبي كوجهة دولية للتصميم، دون المساس بأصالة هويتنا، أو التنازل عن خصوصيتنا الثقافية.

«مجتمع السركال»

أصبح «الأفنيو» نموذجاً للمجتمع الثقافي المتكامل.. ما المبادئ، التي تحكم اختياركم للشركاء، والمساحات؟

جوهرنا هو «انسجام القيم»، لا المنجز الكمي؛ لذلك نبحث عن شركاء يتبنون معنا قيم: التجريب، والانخراط الثقافي البعيد الأمد، ومناصرة الفكر الخلاق. وقد استثمرنا، دوماً، في الحوار، ودعم الأصوات، التي تتحدى الركود. والتنوع عندنا شرط أساسي، لكنه يكتمل بوضوح الرؤية. وهكذا غدا «السركال» موئلاً موثوقاً، يزدهر فيه الجميع بتكامل المكونات، لا بتنازعها على الضوء.

  • عبد المنعم السركال: شراكتنا مع «ديزاين ميامي» رؤية لصياغة المستقبل بروح إماراتية

كيف تدعمون المواهب الشابة، والممارسات التجريبية، وما موقع دبي على خريطة التصميم العالمية.. اليوم؟

التمكين الحقيقي يتجاوز «الدعم العابر» إلى الاستثمار في مسارات التطور الطويلة. ونحن نهيئ الظروف للممارسات، التي يقودها البحث، والعمل الجمعي المشترك. أما عن موقع دبي، فقد حجزت المدينة لنفسها مكاناً فريداً كمنصة للتبادل الثقافي العالمي؛ بفضل بنيتها التحتية الموثوقة. فدبي، اليوم، لا تكتفي بتبني الجماليات، بل تساهم في إثراء الخطاب العالمي للتصميم، عبر ممارسات تستمد قوتها من تنوع نسيجها المجتمعي، وطموحها أن تكون طرفاً فاعلاً في صياغة سرديات المستقبل.

هل يمكن أن نرى نموذج «السركال» في مدن عالمية أخرى.. قريباً؟

التوسع - بالنسبة لنا - لا يعني «استنساخاً»، أو تكراراً لنموذج قائم؛ فنجاح «السركال أفنيو» نابع من خصوصيته الزمانية والمكانية، ونسخه حرفياً قد يُفرغه من صدقيته. وطموحنا هو توسيع «آفاق الممارسة» عبر مشاريع جديدة، تُعلي من شأن البحث، وبناء الشبكات، داخل دبي وخارجها. وغايتنا أن يتحقق أثر الثقافة كفعل حي متصل، يترك أثراً مجتمعياً، بعيد الأمد.. أينما حَلَّ!