نعم.. قد يصل الجهاز العصبي إلى حالة استنفار نتيجة القلق، والتفكير المفرط، والتوتر العضلي، والأرق. وما نوبات الانفعال إلا إشارات يطلقها الجسد؛ ليقول: «أنا متعب!». هنا تبرز أهمية تقنيات بسيطة وعملية، تعيدنا إلى اللحظة الراهنة، وتمنح الجهاز العصبي فرصة للتهدئة. ومن بين هذه التقنيات، ما يُعرف بـ«الملاحظة النشطة»، وهي حيلة ذهنية تستغرق دقيقة واحدة فقط، لكنها قادرة على إحداث فرق حقيقي في الإحساس بالطمأنينة، والاتزان الداخلي.
-
سر بسيط لدعم الجهاز العصبي وتهدئة العقل.. في 60 ثانية
ومن المعروف أن العقل البشري بارع في السفر عبر الزمن، وفي أي لحظة قد يكون منشغلاً بإعادة مشهد مؤلم من الماضي، أو باستباق سيناريوهات مقلقة لما قد يحدث في المستقبل. هذا الشرود الذهني المستمر يُبقي الجهاز العصبي في وضعية التأهب، كأن خطرًا وشيكًا يقترب. والنتيجة: توتر عضلي، وتسارع ضربات القلب، واضطراب التنفس، وشعور داخلي بعدم الأمان.
«الملاحظة النشطة» تهدف، ببساطة، إلى إعادة انتباهكِ إلى (هنا، والآن)، حيث لا يوجد خطر فعلي، أو تهديد حقيقي، بل لحظة آمنة يمكن للجسد أن يسترخي داخلها. إن الحضور الكامل في اللحظة الراهنة يحدّ، تلقائيًا، من القلق. فحين تكونين حاضرة فعلًا، لا يمكنكِ في الوقت ذاته أن تغرقي في هواجس المستقبل، أو اجترار الماضي. أنت فقط تشعرين بما هو موجود الآن: جسدكِ، وتنفّسكِ، ومحيطكِ، وإحساسكِ الداخلي. هذا الحضور يمنح الجهاز العصبي إشارات واضحة بالأمان والاستقرار، ما يساعده على الخروج من وضعية الهروب أو القتال، إلى وضعية الهدوء والتنظيم الذاتي.
الميزة الأهم في هذه التقنية أنها لا تتطلب وقتًا طويلًا، أو مكانًا خاصًا، أو أدوات معينة. فدقيقة واحدة فقط قد تكون كافية لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي. وهذا ما يجعلها مناسبة بشكل خاص للمرأة التي غالبًا تشعر بأن يومها مزدحم، ولا يترك لها مساحة للعناية بنفسها.
-
سر بسيط لدعم الجهاز العصبي وتهدئة العقل.. في 60 ثانية
كيف تعمل «الملاحظة النشطة»؟
يمكن تنفيذها بخطوات بسيطة، ومتكررة:
أولًا: التوقّف للحظة، وأخذ نفس بطيء واحد، مع إطالة الزفير. والزفير الطويل يبعث رسالة مباشرة إلى الجهاز العصبي، تقول: «لا يوجد خطر الآن». هذه الحركة وحدها كفيلة بتخفيف حدة التوتر.
ثانيًا: ملاحظة ثلاثة أشياء يمكنكِ رؤيتها من حولكِ، من دون إصدار أحكام عليها. قد تكون: كوب القهوة على الطاولة، أو ضوء الشمس على الحائط، أو شجرة خارج النافذة. المهم أن تريها كما هي، مجرد ملاحظة محايدة.
ثالثًا: ملاحظة إحساسين جسديين، مثل: ملمس قدميكِ على الأرض، أو ثقل جسدكِ على الكرسي، أو حركة صدركِ أثناء التنفس. هذه الخطوة تعيدكِ إلى جسدكِ، وتخرجكِ من دوامة الأفكار.
رابعًا: جملة ختامية تثبيتية، مثل: «هذا ما هو موجود الآن»، أو «هذا ما ألاحظه في هذه اللحظة». هذه العبارة البسيطة تُغلق التمرين، وتُثبّت الوعي في الحاضر.
وقد يبدو هذا التمرين شديد البساطة إلى حدّ الاستخفاف به، لكن الأبحاث النفسية والعصبية تشير إلى أن الممارسات الذهنية المنتظمة، حتى لو كانت قصيرة، تساهم في خفض مستويات القلق والتفكير المفرط، وتعزز المرونة العاطفية، وتُحسّن القدرة على الاستجابة الهادئة بدل الردود الانفعالية.
من منظور صحي ونفسي، للملاحظة النشطة فوائد متعددة للمرأة، منها تنظيم الجهاز العصبي؛ فعندما يتلقى الدماغ إشارات حسّية من الواقع الحالي، يتوقف عن إرسال إنذارات الخطر الوهمية المرتبطة بالماضي أو المستقبل. هذا التنظيم يقلل إفراز هرمونات التوتر مثل «الكورتيزول».
كما تساهم هذه التقنية في تعزيز الشعور بالسيطرة والتمكين؛ فحين تدركين أن دقيقة واحدة يمكن أن تغيّر حالتكِ النفسية، يزداد شعوركِ بالقدرة على إدارة توتركِ بدل أن تكوني أسيرة له.
وما يميز هذه التقنية، أيضًا، أنها غير مرئية للآخرين. ويمكنكِ ممارستها في اجتماع عمل، أو في السيارة أثناء الانتظار عند الإشارة، أو في المطبخ أثناء تحضير الطعام، أو حتى في غرفة النوم قبل النوم. فلا أحد سيلاحظ أنكِ تقومين بتمرين نفسي داخلي، لكن جهازكِ العصبي سيشعر بالفرق.
-
سر بسيط لدعم الجهاز العصبي وتهدئة العقل.. في 60 ثانية
لتحويل «الملاحظة النشطة» إلى عادة، يُنصح بربطها بروتين يومي ثابت:
- أثناء انتظار غليان القهوة صباحًا.
- عند غسل اليدين.
- عند الانتقال من مهمة إلى أخرى في العمل.
- قبل الرد على رسالة تثير توتركِ.
ومع التكرار، يصبح الدخول إلى هذه الحالة الهادئة أسرع وأسهل، كأنك تدرّبين جهازكِ العصبي على مسار بديل عن القلق التلقائي. ومن المهم، أيضًا، التأكيد على أن هذه التقنية لا تلغي المشاعر الصعبة، ولا تُنكر الألم النفسي، بل تمنح مساحة آمنة للتعامل معه بوعي وهدوء. فهي ليست علاجًا لكل شيء، لكنها أداة بسيطة وفعالة، ضمن صندوق أدوات العناية النفسية اليومية.