في أروقة «القمة العالمية للحكومات»، المنعقدة في دبي، يدور حوار ليس عن الأرقام الاقتصادية فحسب، بل أيضاً عن «ماهية الإنسان»، في عصر يكاد فيه الخط الفاصل بين العقل البشري، والذكاء الاصطناعي، أن يتلاشى. وتحت شعار «استشراف حكومات المستقبل»، وبحضور أكثر من 60 رئيس دولة، ونخبة من حكماء العلم من حَمَلة جائزة «نوبل»، انطلقت «القمة» لتقول للعالم: «المستقبل ليس ما سيحدث، بل ما سنفعله بالإنسان الذي تغير».

  • «القمة العالمية للحكومات 2026».. هندسة «الإنسان المعزز» وإعادة اختراع مفهوم الدولة

«الإنسان» أولاً.. والتكنولوجيا تبعاً:

في كلمته الافتتاحية، التي رسمت الإطار الفكري للقمة، لم يقدم معالي محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس القمة العالمية للحكومات، خطاباً بروتوكولياً، بل قدم «مانيفستو» جديداً لأسلوب الحكم في القرن الحادي والعشرين. وبنبرة استشرافية، حذر معاليه من «فخ تاريخي»، قد تقع فيه الحكومات: ليس بفشلها في ملاحقة ركب التكنولوجيا، بل في فشلها في فهم «الإنسان الجديد»، الذي تغيرت احتياجاته، وقدراته، بشكل جذري. وقد وضع معاليه العالم أمام مرآة الحقيقة، معرفاً التحدي الوجودي المقبل من خلال «القوى الأربع»، التي لا تكتفي بتغيير ما حولنا، بل تُعيد صياغة «طبيعة الإنسان» نفسه، ليتحول إلى «إنسان مُعزز»، يمتلك قدرات كانت حتى الأمس القريب ضرباً من الخيال:

  • الذكاء الاصطناعي.. من «خادم» إلى «شريك وجودي»:

    أكد القرقاوي أن عصر التكنولوجيا، التي تنفذ الأوامر فقط، قد انتهى. مضيفاً معاليه: «نحن اليوم أمام (مكون معرفي) هجين يندمج في بنية تفكيرنا. فمع توقع تضاعف القدرة الحاسوبية مليون مرة، خلال العقد القادم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد ذكي، بل شريكاً يحلل، ويبني، ويتعلم. الخطورة – والفرصة أيضاً – تكمن في اللحظة التي ينتقل فيها هذا الذكاء من مرحلة (المساعدة) إلى مرحلة (القرار)، ما يفرض على الحكومات إعادة تصميم أنظمتها؛ لتتعامل مع قرارات تولد من رحم (خوارزميات ذكية)، وليس مجرد عقول بشرية».

  • ثورة «العمر الصحي».. عندما يصبح الـ100 هو الـ40 الجديد:

    أشار معالي محمد عبدالله القرقاوي إلى أنه بفضل الانهيار الدراماتيكي، في تكلفة تسلسل الجينوم البشري (التي هوت من 100 مليون دولار إلى أقل من 100 دولار)، انتقل الطب من «علاج الأمراض» إلى «توقعها وتجنبها». وقال: «نحن ندخل عصر (الطب الشخصي)، الذي لا يُطيل العمر فحسب، بل يضمن (جودة الحياة) في سن متقدمة». ومن هنا، طرح معالي القرقاوي سؤاله الجريء والمقلق للحكومات: «كيف ستصمد قوانين العمل، وصناديق التقاعد، والمالية العامة، أمام جيل من (المعمرين الأصحاء)، الذين لا ينوون التقاعد في سن الستين؟».

  • واجهات الدماغ (نيورولينك).. الاستثمار في «الشبكة البشرية»:

    وفي ما يتعلق بالقوة الثالثة، قال معالي محمد عبدالله القرقاوي: إن الاكتشافات القادمة لن تكون في الفضاء، بل في اكتشاف قدرات جديدة داخل عقل الإنسان نفسه. وأضاف، مستشهداً بتجارب شركة «Neuralink»: «كما كانت الإنترنت في بداياتها مجرد بريد إلكتروني، قد تكون واجهات الدماغ، اليوم، مجرد البداية»، متسائلاً عما إذا كان الاستثمار القادم للدول سيكون في قدرات العقل البشري، تماماً كما استثمرت سابقاً في شبكات الاتصالات.

  • البيئات الرقمية.. الإنسان العابر للحدود والجغرافيا:

    وعن القوة الرابعة، أوضح معاليه أن البيئات الرقمية وسعت الوجود الإنساني، حيث لم يعد الإنسان المعاصر حبيس قرية أو مدينة، بل أصبح مواطناً عالمياً، يتزاحم العالم بأسره على انتباهه. وأضاف أن الإنسان بات يعيش اليوم «نسخاً متعددة» من هويته، عبر منصات رقمية شاسعة، ما أوجد إنساناً «عابراً للهويات». هذا التشتت في الانتباه، وإعادة تعريف الانتماء، يضعان الحكومات أمام تحدي «الوصول»؛ فكيف تحكم مؤسسة «مكانية» مواطناً «رقمياً» يوجد في كل مكان في آنٍ؟

  • «القمة العالمية للحكومات 2026».. هندسة «الإنسان المعزز» وإعادة اختراع مفهوم الدولة

مختبرات المستقبل.. أداة «جاهزية الذكاء الاصطناعي»:

وبالتزامن مع هذه الطروحات، شهدت «القمة» إطلاق أداة عملية، بالتعاون مع «بين آند كومباني»؛ لتكون بمثابة «بوصلة نجات» للجهات الحكومية. ففي عالم تنجح فيه 5% فقط من مشاريع الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى نتائج حقيقية، تأتي هذه الأداة لتقييم 34 معياراً حيوياً، وتصنيف المؤسسات بين «قائد استراتيجي»، أو «مؤسس قدرات»، ما يضمن عدم هدر الموارد الحكومية في تجارب لا تنعكس على حياة المواطن.

تحدي جيل (Z).. الخدمة بـ«سرعة الضوء»:

أحد أعمق محاور «القمة»، كان الحديث عن «جيل Z»، الذي سيشكل 40% من القوى العاملة بحلول 2040. هذا الجيل، كما وصفه معالي القرقاوي، نشأ على كلمة «الآن». فهو لا يريد وظيفة تقليدية، بل يبحث عن «المعنى»، و«التوازن». وبناءً عليه، لم يعد دور الحكومات هو «إدارة الواقع»، بل انتقل إلى «تصميم المستقبل»، بتشريعات قابلة للتحديث التلقائي (Dynamic Regulation)؛ لمواكبة جيل لا يعترف بـ«البيروقراطية».

الهوية الوطنية.. الثبات في عالم متسارع:

وعلى جبهة موازية لتحديات التقنية، أعادت «القمة» بوصلة الاهتمام نحو «الروح الوطنية»، عبر تقرير «الوجود والانتماء: استدامة الهوية الوطنية في ظل عالم متغير»، الصادر بالتعاون مع «ستراتيجي& الشرق الأوسط» (PwC)، حيث يطرح التقرير رؤية استراتيجية، تعتبر الهوية رصيداً سيادياً، يعزز التماسك الاجتماعي، والأداء الاقتصادي في مواجهة ضغوط العولمة، والتطور التقني. والتقرير يحول الهوية من مفهوم نظري إلى إطار عملي ملموس، يرتكز على أربعة مقومات: (ديموغرافية، وثقافية، واقتصادية، ومدنية)، ما يتيح لصناع القرار تصميم سياسات مدروسة، توازن بين «أصالة الجذور»، و«حداثة التكيف». وقد برز نموذج دولة الإمارات، في هذا السياق، كقدوة عالمية عبر مأسسة حماية اللغة العربية، وتعزيز العادات المحلية، عبر دمج الهوية بالمشاريع التنموية والسياحية الكبرى، ليؤكد التقرير، في ختامه، أن الهوية الوطنية ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي «المحرك الاستراتيجي»، الذي يضمن استدامة المؤسسات، وثقة المجتمعات، في مستقبل لا يعترف إلا بالكيانات المتماسكة.

  • «القمة العالمية للحكومات 2026».. هندسة «الإنسان المعزز» وإعادة اختراع مفهوم الدولة

برنامج «5X».. الانتقال من «طموح التقنية» إلى «واقع الأثر»:

وفي سعيها إلى تحويل الحوارات الدولية إلى مشاريع عابرة للحدود، شهدت «القمة» إطلاق «البرنامج العالمي لتسريع أثر الذكاء الاصطناعي 5X»، الذي صممه مركز المسرعات الحكومية الإماراتي، بالشراكة مع نخبة من أقطاب الدبلوماسية التكنولوجية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عالمياً. وكما أكدت معالي هدى الهاشمي، مساعد وزير شؤون مجلس الوزراء لشؤون الاستراتيجية، فإن هذا «البرنامج» يجسد الدور القيادي للإمارات في نقل الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى ميادين التنفيذ.

ويركز «البرنامج» على تحقيق قفزات نوعية، وقابلة للقياس، في خمسة محاور استراتيجية، تمس صلب حياة الإنسان، هي: (الاستدامة، والمجتمع، والصحة، والتعلم، وقابلية العيش). ومن خلال توظيف «التمويل التحفيزي»، وبناء شراكات دولية موثوقة، يسعى «البرنامج» – بحسب سعادة أيومي مور آوكي، والدكتورة راشيل آدامز – إلى ردم الفجوة بين الالتزامات النظرية، والتطبيق العملي، مع ضمان شمولية الأثر؛ ليمتد إلى المناطق التي هُمشت، سابقاً، من رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي. إن برنامج «5X» هو إعلان رسمي عن انتقال العالم من مرحلة «المبادرات المنفصلة»، إلى مرحلة «النتائج المنسقة»، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي قوة دافعة؛ لتحقيق القيمة العامةن والرفاهية البشرية الشاملة.