ياسـر النيادي: الفن والبرمجة الثقافية جسر يربط الماضي بالحاضر
في قلب منطقة العين، حيث تتنفس شوارعُها التاريخ، والحياة المعاصرة، معاً.. يَبْرز المخرج والبرمجي الثقافي الإماراتي، ياسر النيادي، جسراً بين الفن والإدارة، وبين السينما والبرمجة الثقافية. فمن كاميرا صغيرة أهداها إليه والده في صغره، إلى مسيرة غنية في الفن، ثم رئاسة قسم البرامج والمشاركة المجتمعية في إدارة المواقع الثقافية بدائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي، نجح النيادي في تحويل كل تجربة إلى نافذة على هوية مجتمعه. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، يفتح النيادي أبواب عالمه الإبداعي، ويستعرض كيف تحولت البرمجة الثقافية في منطقة العين إلى تجربة حية، وكيف تم توظيف أدوات السرد البصري لنقل القصص الإماراتية بروح إنسانية صادقة؛ لتقديم رؤية تجمع بين احترام الجذور، والانفتاح على العالم:
-
ياسـر النيادي: الفن والبرمجة الثقافية جسر يربط الماضي بالحاضر
كيف بدأ شغفك بالإخراج السينمائي، وما الذي جذبك إليه؟
أتذكر أنني في صغري، كنت أتناول الغداء بعد يوم مدرسي، وبين يديَّ صحيفة «الاتحاد»، التي كان والدي يُحضرها يومياً؛ لتكون نافذتنا على العالم. لفت انتباهي خبرٌ عن انتهاء الدورة الثالثة من «أفلام من الإمارات»، فتساءلت بدهشة بريئة: هل لدينا، فعلاً، سينما؟.. وهل يمكن أن أصنع فيلماً يوماً ما؟.. تلك الشرارة كانت بداية شغفي؛ وقد وجدت في السينما لغة أوسع من الورق، لغة عالمية تصل إلى قلوب الناس دون ترجمة. ومع تشجيع والدي، الذي أهداني كاميرا لتوثيق لحظات العائلة، تحولت تلك العدسة الصغيرة إلى شاهد على ميلاد حلم أكبر: أن أحكي قصصنا للعالم كله.
نبع أول
ما الذي يميز تجربتك الإخراجية في الساحة الإماراتية، وهل للبيئة المحلية أثر واضح في أعمالك؟
أؤمن بأن كل مخرج يترك بصمته، حين يكون صادقاً مع نفسه. بالنسبة لي، البيئة المحلية هي النبع الأول؛ بتفاصيل الحياة اليومية، واللهجة والعادات التي تشكل نسيج مجتمعنا. تتميز تجربتي بالسعي وراء العمق الإنساني في القصة الإماراتية، لا الشكل البصري فقط، مع الاستفادة من مدارس سينمائية متنوعة؛ لمنح أفلامي أبعاداً جديدة.
حدثنا عن أول فيلم أخرجته!
فيلمي الأول كان مشروعاً تسجيلياً قصيراً بعنوان «رسائل إلى السماء»، فكرته: لو أتيح لنا إرسال رسائلنا إلى السماء، فماذا سنكتب؟..
حصل الفيلم على أولى جوائزي السينمائية، حيث نال لقب أفضل فيلم وثائقي إماراتي في مسابقة «أفلام من الإمارات» عام 2008، بمهرجان الشرق الأوسط آنذاك. كانت فرحتي كبيرة، لكنه - في الوقت نفسه - فتح أمامي صفحة جديدة من التحدي، والإبداع على الشاشة.
«نادي البطيخ» حمل طابعاً تجريبياً وسريالياً لافتاً.. كيف خضت هذه التجربة، وما أبرز تحدياتها؟
«نادي البطيخ» أول أفلامي الطويلة، وهو عمل تجريبي وسريالي عن ستة رجال، يجتمعون في مزرعة، ويواجهون ماضيهم عبر طقوس غامضة، تكشف تناقضاتهم الداخلية. اعتمدت فيه الرمزية والغرائبية، فالبطيخ، هنا، استعارة للنفس البشرية، التي لا تُعرف حقيقتها إلا حين يُكشف باطنها. لم يكن من السهل أن أكتب وأُخرج فيلماً من هذا النوع، أو أن أوجه الممثلين إلى ما هو أبعد من سيناريو اعتيادي، وحوار مباشر. كما كانت التجربة مرهقة إنتاجياً، لي ولصديقي مدير التصوير علي بن مطر، الذي شاركني إنتاج الفيلم، لكنها شكلت محطة مختلفة، تعلمنا منها الكثير، وأسست لمرحلة جديدة في مسيرتي السينمائية.
على جانب آخر، تتولى رئاسة قسم البرامج والمشاركة المجتمعية في إدارة المواقع الثقافية.. كيف تصف طبيعة هذا الدور؟
أراه جسراً بين الناس والمكان؛ فمن خلال البرمجة الثقافية في منطقة العين، أسعى - مع فريق العمل - إلى جعل الجمهور يشعر بأن هذه المواقع مبانٍ، تحمل قيمتها التاريخية، وذاكرة حية تنبض بقصص الأجداد، وتحمل ملامح الهوية.
ما تعريفك لـ«البرمجة الثقافية»، وكيف تساعد خبرتك كمخرج في تصميم برامج تجذب الجمهور، وتحقق تجربة حية؟
«البرمجة الثقافية» استراتيجية لإعادة صياغة علاقتنا بالثقافة والتاريخ، وفن بناء سرديات حية، تحاكي الناس بلغتهم اليومية، وتحول التراث والمعرفة إلى تجارب معيشة تلهم، وتثري. في جوهرها، هي نوع من السرد، والمخرج يعرف كيف يشد الجمهور، ويجذب انتباهه، لكنها تحتاج، أيضاً، إلى إدارة واعية، ورؤية شاملة؛ لتُظهر البرامج كياناً متكاملاً، نابضاً بالحياة. أتعامل مع البرامج بعقلية المخرج، فأضع لها سردية وسيناريو محكمين، وأوظف المكان والإضاءة والصوت والحركة؛ لتحويل التجربة إلى عمل حي، يترك أثره في الجمهور.
-
ياسـر النيادي: الفن والبرمجة الثقافية جسر يربط الماضي بالحاضر
مسؤولية أكبر
ما الذي يميز هذه التجربة عن إخراجك أعمالاً سينمائية مستقلة؟
في السينما المستقلة، أتمتع بمساحة أوسع؛ لملاحقة أسئلتي الخاصة، بينما في الأعمال الثقافية أشعر بمسؤولية أكبر؛ لأن ما يُقدَّم يمثل مجتمعاً بأكمله. ومع ذلك، هناك تبادل مستمر بين العالمَيْن: ما أتعلمه من الحرية الإبداعية أقدمه للبرامج الثقافية، وما أكتسبه من العمل المؤسسي يغني تجربتي السينمائية.
تزخر العين بتاريخ وتراث عريقَيْن.. كيف تلهمك هذه البيئة في عملك الفني والثقافي؟
كل يوم أقطع 45 دقيقة من بيتي إلى عملي، وخلال الطريق أشعر بأن العين تكشف لي وجهاً جديداً كلَّ مرة؛ من مواقعها التاريخية، إلى أحيائها الشعبية، ومشاريعها الحديثة. هذه الدقائق تؤكد لي أن مخزونها البصري والإنساني لا ينتهي. فالعين، بالنسبة لي، فضاء يلهمني باستمرار، ومنطقة تفتح نوافذها على العالم عبر الثقافة والفن.
ما أحلامك وطموحاتك.. الفنية، والوظيفية؟
أتطلع إلى مواصلة عطائي الثقافي والفني، وأحلم بإتمام فيلمي الطويل الثاني، وجعل العين وجهة ثقافية، يقصدها الناس من جميع أنحاء العالم؛ ما يعزز حضور الإمارات على خريطة الإبداع العالمية. شخصياً، طموحي هو تعريف جمهور أوسع بتجربتي الفنية، وأن أكون مساهماً في تمثيل وطني الذي منحني الكثير.