لم يعد الحديث عن «المواهب الإماراتية»، في السينما والتلفزيون، مجرد أمنيات أو وعود مستقبلية، يتم تداولها في الندوات والبيانات الصحافية. وعام 2025 بدا كلحظة انعطاف حقيقية، انتقلت فيها أسماء إماراتية من «خانة الواعد»، إلى «خانة الفاعل والمؤثر»، وخرجت التجارب المحلية من الإطار التجريبي الضيق إلى فضاءات عربية وعالمية أوسع. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من التراكمات، من تعليم، واحتكاك مهني، ومحاولات أولى تعثّرت أحيانًا، ونجحت أخرى، ثم نضج في اللغة البصرية، وجرأة طرح الأسئلة.
عام رسّخ حضور الأفلام الجريئة.. والقصص الإنسانية:
تبدو حصيلة السينما الإماراتية، في 2025، علامة فارقة في مسار الصناعة المحلية، بعدما شهد العام الماضي زخماً واضحاً في الإنتاجات، وتنوّعاً في والأساليب، من الدراما الاجتماعية إلى الرعب والتشويق، وصولاً إلى المشاريع السينمائية الضخمة، التي أعادت طرح صورة المدينة، وتحولاتها، بلغة بصرية أكثر نضجاً. هذا الحراك عكس انتقال السينما الإماراتية من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة ترسيخ الهوية، وتوسيع دائرة التأثير عربياً، وعالمياً.
-
المواهب الإماراتية في عام 2025.. إرث يتجدد وكفاءات تقود المشهد
«حوبة».. رعب بملامح محلية وحضور دولي:
كان فيلم «حوبة» من أبرز عناوين 2025، فقد شكل الفيلم نقلة نوعية لأفلام الرعب، إذ قدم مادة تليق بالجمهور، وتجذبهم إليه، مع الحفاظ التام على الخصوصية الثقافية، وروى الفيلم قصة أسرة تتعرض لتحولات قاسية في حياتها؛ لتكتشف خلالها الكثير من الخوف، والغموض، داخل منزلها.
وقدم العمل معالجة نفسية متميزة، من خلال بناء بصري احترافي جاذب، جعله محط اهتمام النقاد والجماهير، على حد سواء، ما أشار بكل وضوح إلى مقدرة السينما الإماراتية على إنتاج تجارب أكثر جرأة، وجماهيرية، في الوقت ذاته.
«فتى الجبل».. دراما إنسانية صنعت أثرها:
في ربيع 2025، لفت فيلم «فتى الجبل» الأنظار كواحد من أكثر الأعمال تأثيراً على المستوى الإنساني. الفيلم - الذي تناول رحلة طفل إماراتي، من ذوي التوحد، في مواجهة الإهمال والوحدة - نجح في تقديم قصة حساسة، دون الوقوع في المباشرة، أو الاستعراض العاطفي. فقوّة العمل جاءت من صدقه وبساطته، ومن الأداء الطبيعي الذي منح الشخصية الرئيسية عمقاً إنسانياً، فحظي بتفاعل واسع، ويُنظر إليه كعمل يوسّع أفق التناول الاجتماعي في السينما الإماراتية.
-
المواهب الإماراتية في عام 2025.. إرث يتجدد وكفاءات تقود المشهد
«City of Life Continuum».. عودة مشروع مفصلي:
كانت العودة إلى عالم «سيتي أوف لايف»، من أبرز إنجازات عام 2025، سواء على المستوى الجماهيري أو الفني، حيث شكلت الأعمال الأصلية جزءاً مهماً جداً في تاريخ السينما الإماراتية، كما أعادت الأعمال الجديدة قراءة العلاقات الإنسانية، والتحولات المدنية، من خلال إنتاجات أضخم، وبأعلى التقنيات العالمية، وأكثرها تقدماً.
هذا الأمر جعل دُور السينما في الدولة من أهم عناصر توثيق التحولات الاجتماعية، والثقافية. كما أكد الفيلم الإماراتي قدرته على مواكبة التغير السريع، الذي طرأ على جميع البلدان، والمدن الخليجية، على وجه العموم.
فرص عمل فعلية.. لكفاءات محلية:
في 2025، أسهمت عدة مبادرات إنتاجية، وتطويرية، في توسيع مساحة مشاركة المواهب الإماراتية داخل صناعة المحتوى المرئي، سواء في السينما، أو التلفزيون. وقد أتاح الموسم الثاني من برنامج «مليون دولار ليستنغ: الإمارات»، الذي أنتج بالشراكة بين «إيمج نيشن أبوظبي»، و«ستارزبلاي»، فرص عمل فعلية لكفاءات محلية في مجالات: التحرير، وصناعة المحتوى، وإدارة الإنتاج، ضمن صيغة تلفزيونية، موجّهة إلى جمهور إقليمي، وعالمي.
وأسهمت مشاركة التنفيذية الوثائقية الإماراتية، عزيزة التميمي، في دعم مراحل البحث والتنسيق، ومتابعة سير العمل، ما ساعد على مراعاة السياق الثقافي المحلي داخل قالب ترفيهي عالمي.
وفي إطار تجريب أشكال جديدة من السرد، جاء مشروع «قصة اسمها زين»، كمحاولة لاستكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي، والتفاعل المباشر مع الجمهور في صناعة القصة. ورغم طابعه التجريبي، فقد أتاح المشروع، لمواهب محلية، العمل على أدوات سرد غير تقليدية، وفتح نقاشاً حول تحوّل الجمهور من متلقٍّ إلى شريك في العملية الإبداعية، وهي مقاربة بدأت تجد طريقها إلى المشهد الثقافي في المنطقة.
وعلى الصعيد الدولي، وصلت أعمال إماراتية إلى مهرجانات ومنصّات سينمائية عالمية، من بينها فيلم «ذا بلايج»، الذي عُرض في «مهرجان كان». وأهمية هذه المشاركات لا تكمن في الحضور الرمزي فحسب، بل في إتاحة فرص تعلّم عملي لكوادر تنفيذية إماراتية، شاركت في مراحل التطوير والمتابعة، من بينها علياء القمزي، ما يساهم في نقل الخبرات المهنية من بيئات إنتاج دولية إلى المشهد المحلي.
-
المواهب الإماراتية في عام 2025.. إرث يتجدد وكفاءات تقود المشهد
تصوير أعمال أجنبية.. محلياً:
كما أتاح تصوير أعمال أجنبية في مواقع داخل دولة الإمارات، من بينها صحراء ليوا، فرصاً ميدانية للطواقم المحلية؛ للاحتكاك المباشر بآليات العمل في الإنتاجات العالمية، واكتساب خبرة عملية بإدارة مواقع التصوير، وتنفيذ العمليات الفنية، ضمن مشاريع كبيرة الحجم. هذا النوع من المشاركات ينعكس، تدريجياً، على جاهزية الكفاءات الإماراتية؛ للانخراط في مشاريع إقليمية، ودولية، مستقبلية.
وإلى جانب الإنتاج، برز دور المبادرات المجتمعية، التي نظّمتها «الشركة» في توسيع حضور السينما خارج القاعات التقليدية، من خلال عروض عامة، وأنشطة تعليمية في فضاءات ثقافية، مفتوحة، داخل الدولة. هذا التوجّه أسهم في تقريب صناعة الفيلم من الجمهور، وصنع مساحات تفاعل مباشر بين صنّاع المحتوى، والمتلقين، ما يعزّز البُعدين: الثقافي، والاجتماعي، للسينما الإماراتية.