في عالم متسارع إلى حدٍّ يجعل الإنسان بالكاد يلتقط أنفاسه.. باتت بيئة العمل أحد أكثر الفضاءات، التي تختبر توازننا الداخلي. ومع بداية كل عام، لا يبدأ التقويم فقط، بل يبدأ موسم التوقعات: توقعات المدير، وتوقعات «المؤسسة»، وتوقعات الذات. هنا، تحديداً، يواجه الموظف سؤالاً وجودياً في جوهره، ومهنياً في ظاهره: هل أريد عاماً أكسب فيه المزيد من الإنجازات، أم عاماً أكسب فيه نفسي أيضاً؟.. إن النجاح المهني لم يعد يقاس، فقط، بعدد المشاريع المنجزَة، بل بمدى قدرتنا على الوصول إلى نهاية العام بقدر أكبر من الوعي، والطمأنينة، والرضا عن الطريق الذي سلكناه خلاله.

  • «الرفاه النفسي» مسيرة طويلة تبدأ بخطوات واعية

على مستوى المؤسسات، تنطلق في الأسابيع الأولى من السنة حركة كثيفة؛ لإعادة توزيع الأدوار، وترتيب الأولويات، وتقييم الأداء، وبناء خطط جديدة، تحتاج إلى طاقة إضافية وسرعة أعلى. وفي الخلفية، يعيش الموظفون انتقالاً عاطفياً حاداً من دفء الإجازات ومرونة الوقت، إلى صرامة الجدول، ومؤشرات الإنتاجية. وخلال هذه المرحلة، تحديداً، ترتفع مستويات القلق، والترقب، وكثرة التفكير، حتى أصبحت الأشهر الأولى من السنة نوعاً من «الضغط المهني الموسمي» غير المسمّى، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية داخل الشركات. واللافت، خلال السنوات الأخيرة، أن الصحة النفسية في بيئة العمل خرجت من دائرة الطرح الهامشي أو المثالي، ودخلت في صميم سياسات الرفاه المؤسسي حول العالم. فالإنسان لم يعد يُعامل كعنصر إنتاجي منفصل عن عواطفه وعلاقاته وأعبائه الداخلية، بل صار يُنظر إلى الذكاء العاطفي، والرفاه النفسي، والتوازن بين العمل والحياة؛ بوصفها أدوات لرفع جودة الأداء، وليست أعباء تعرقل النجاح..

ضمن هذا السياق، يتناول هذا الملف علاقة الموظف ببداية العام من منظور نفسي، وكيف يمكن إدارة هذه المرحلة دون السقوط في فخ الإرهاق، أو المقارنة، أو جلد الذات، مستندين إلى رؤية هبة سالم، أخصائية علم النفس لدى عيادات «سيج»؛ لتقدم لنا تحليلاً علمياً عميقاً حول هذا الموضوع:

ضغط موسمي.. غير معلن

توضح الأخصائية النفسية، هبة سالم، أن بداية العام تمثل «منعطفاً نفسياً» لدى الموظف، يواجه فيه ما يسمى «صدمة العودة»، وهي الانتقال المفاجئ من إجازة مليئة بالهدوء، والتجمعات العائلية، والحرية الزمنية، إلى بيئة عمل صارمة تستدعي الاستيقاظ المبكر، والالتزام، واتخاذ القرار. وخلال هذه الفترة، يبدأ الدماغ عملية تخطيط معرفي حاد لتوقعاتِ ومشاريعَ وأهدافِ العام الجديد، فيتولد ما يعرف بـ«قلق الأداء» (Performance Anxiety)، أي الخوف من عدم تحقيق مستوى إنجاز يليق بالبداية، وهذا الانتقال الحاد يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى؛ وتتم ترجمته إلى توتر، وضغط، ملحوظَيْن.

وتضيف الأخصائية النفسية: أن جزءاً كبيراً من الضغط، خلال يناير وفبراير، نابع من «وَهْم البدايات الجديدة»، وهي فترة «ضغط نفسي موسمي»؛ لأنها تتزامن مع دورة عمل سنوية محددة، تتسم بإعادة تقييم أداء العام الماضي؛ ما يثير مشاعر المقارنة أو الندم، وإعادة التأسيس حيث تُطلق الميزانيات والمشاريع والأهداف الجديدة (KPIs)، ما يبعث شعوراً بضرورة الانطلاق بالقوة القصوى؛ فيحمّل الموظف نفسه مسؤولية نقل «نسخة مثالية منه» إلى العام الجديد، متوقعاً القفز نحو إنجازات أكبر وأسرع؛ فيرفع سقف التوقعات الذاتية إلى درجة غير واقعية.

عوامل نفسية 

وحول أبرز العوامل النفسية، التي تجعل بداية العام فترة حساسة لدى الموظفين، تشير هبة سالم إلى ثلاث نقاط مفصلية، تجعل بداية العام فترة حساسة، وهي: «وهم البدايات الجديدة» (The Fresh Start Effect)، وهو الاعتقاد بأن البداية الجديدة تتطلب الكمال الفوري؛ ما يرفع سقف التوقعات الذاتية إلى مستويات غير واقعية. و«تأثير التباين» (Contrast Effect) الحاد بين الاسترخاء في الإجازة، والجهد المطلوب في العمل؛ ما يجعل المهام تبدو أثقل مما هي عليه فعلياً. وأخيراً، الضغط الاجتماعي للنجاح السائد في بيئة مثل الإمارات، حيث يشعر الموظف بضغط مضاعف؛ لإثبات الذات، وتحقيق قفزات مهنية سريعة.

وجه خفي 

تشير الأخصائية النفسية إلى أن المقارنة من أكثر العوامل مساهمةً في الضغط النفسي مع بداية العام، سواء مع زملاء في المؤسسة نفسها، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى مع «نسخة العام الماضي» من الذات. وتصف هذه المقارنة بأنها «سارق الفرح»؛ لأنها تقوّض الشعور بالإنجاز، وتُحوّل النجاح إلى معيار خارجي؛ بدلاً من أن يكون مكسباً داخلياً. وحول تأثير الخوف من الفشل، أو عدم تحقيق الأهداف المبكرة، في الصحة النفسية للموظف.. تقول: «الخوف من الفشل في بداية العام، هو - في جَوْهره - خوف من الحكم على الذات، وهذا الخوف يُنشّط نظام التهديد في الدماغ؛ ما يؤدي إلى التسويف، وتأجيل المهام؛ خوفاً من عدم إتقانها، والاجترار المعرفي، المتمثل في التفكير المفرط بالسيناريوهات السلبية، وتثبيط الإبداع حيث يركز الموظف على تجنب الخطأ، بدلاً من البحث عن حلول مبتكرة، وإذا حدث فشل مبكر، فقد يتبنى الموظف (عقلية ثابتة)، ويعتقد أن الفشل دليل على نَقْص جوهري في قدراته؛ ما يقوض ثقته بنفسه، ويؤدي إلى أعراض اكتئابية».

فئات أكثر عرضة للضغط

ترى الأخصائية النفسية أن هناك فئات مهنية تتأثر - أكثر من غيرها - خلال الأشهر الأولى، فتقول: «الفئات الأكثر عرضة: الموظفون الجدد، أو الذين تمت ترقيتهم حديثاً؛ لأنهم يواجهون ضغط إثبات الذات في دور جديد، والموظفون في أقسام المبيعات والتسويق؛ حيث تكون الأهداف ربع السنوية والسنوية حاسمة ومباشرة، والأشخاص ذوو السمات الشخصية الكمالية؛ لأنهم يضعون معايير غير قابلة للتحقيق لأنفسهم في بداية أي دورة جديدة، وأخيراً أصحاب القيادات الوسطى؛ لأنهم يقعون تحت ضغط تحقيق أهداف الإدارة العليا، وفي الوقت نفسه إدارة ضغوط فرقهم.. هذه الفئات كلها تعيش ضغط (إثبات الذات)، أو (تحقيق الهدف) منذ الأيام الأولى؛ ما يجعل التجربة المهنية أكثر تعقيداً».

علامات نفسية.. وسلوكية 

تلفت هبة سالم إلى أهمية ملاحظة العلامات النفسية المبكرة، قبل تفاقم الوضع، ومن أبرزها: الانفعال السريع، وفقدان الصبر على أمور بسيطة، وصعوبة التركيز واتخاذ القرارات، والشعور بـ«ضبابية الدماغ»، والانسحاب العاطفي، وفقدان الاهتمام بالأنشطة، التي كانت ممتعة سابقاً، والقلق المستمر، والشعور بأن هناك شيئاً سيئاً على وشك الحدوث، بالإضافة إلى اضطرابات النوم، ومنها: الأرق، والنوم المتقطع. وتضيف: «سلوكياً، قد يظهر الضغط على شكل تأخر أو غياب متكرر، أو زيادة الأخطاء المهنية، أو الانسحاب الاجتماعي، أو البقاء لساعات أطول في المكتب، دون إنتاجية حقيقية كآلية للتأقلم».

ضغط صحي.. وإرهاق وظيفي

تؤكد هبة سالم أن الضغط المهني ليس دائماً سلبياً؛ فهناك ما يسمى «الضغط الصحي» (Eustress)، الذي يحفز الإبداع والإنجاز، لكن الخطورة تكمن عندما يتحول «الضغط» إلى «Distress»، أي ضغط سام ومزمن، فلا يتيح للجسد والنفس فرصة التعافي. وعندما يستمر الضغط دون إدارة أو دعم، يظهر «الإرهاق الوظيفي» (Burnout)، الذي وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه حالة تتميز بثلاثة أعراض رئيسية، هي: الإنهاك العاطفي، وتبلد المشاعر، وانعدام الشعور بالإنجاز الشخصي.. فهل يمكن للموظف أن ينجح مهنياً، وهو في حالة ضغط نفسي مزمن؟.. تجيب الأخصائية النفسية: «قد يحقق الموظف نجاحاً قصير المدى تحت الضغط المزمن، لكن هذا النجاح يكون هشاً وغير مستدام؛ فالضغط المزمن يقلل المرونة المعرفية، ويُضعف الذاكرة، ويَحُدُّ من الإبداع. والنجاح الحقيقي يتطلب قدرة على التفكير الاستراتيجي، وحل المشكلات المعقدة، وهي قدرات تتضاءل - بشدة - تحت وطأة التوتر المستمر؛ لذا يكون النجاح في هذه الحالة مجرد بقاء، وليس ازدهاراً».

شرط للإبداع.. والإنتاجية

توضح هبة سالم أن الموظف، المتمتع بصحة نفسية جيدة، يعمل بتركيز أعلى، وقدرة أفضل على حل المشكلات، ومرونة معرفية أكبر. بينما يؤدي الضغط المزمن إلى إغلاق مساحات التفكير الإبداعي؛ لأن الدماغ ينشغل بإدارة الخطر، وليس بصناعة الحل. وتبين أن الإنتاجية ليست نتيجة ساعات العمل، بقدر ما هي نتيجة جودة الانتباه، وهدوء النظام العصبي، وتوازن الطاقة.

إعادة تعريف النجاح المهني

تدعو الأخصائية النفسية إلى إعادة تعريف النجاح، بعيداً عن منطق «الركض طوال العام» نحو منطق «النمو المستدام». فالنجاح ليس فقط لقباً وظيفياً، أو مكافأة مالية، بل هو قدرة الإنسان على الحفاظ على علاقاته، وصحته النفسية، وفضائه الشخصي، دون أن يخسر ذاته في الطريق.

مهارات عملية لإدارة الضغط 

تقدم هبة سالم مجموعة أدوات واقعية، يمكن للموظف ممارستها، فتقول: «أول خطوة نفسية، يجب أن يتخذها الموظف مع بداية شعوره بالضغط، هي الوعي والاعتراف (Awareness and Acknowledgment)، حيث يجب على الموظف أن يتوقف؛ ليسأل نفسه: (ما الذي أشعر به الآن؟)، و (ما الذي يحتاجه جسدي وعقلي؟).. هذا الاعتراف يكسر حلقة الإنكار والمقاومة، ويسمح بالانتقال من حالة رد الفعل إلى حالة الاستجابة الواعية». وتتابع: «يمكن للموظف إدارة توقعاته من نفسه بشكل واقعي، بتطبيق مبدأ (التقدم.. لا الكمال)، والتركيز على إنجاز 80% من الهدف، بدلاً من السعي المرهق إلى 100%، وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى مهام أسبوعية، ويومية، صغيرة، تكون قابلة للقياس، بالإضافة إلى مراجعة الأهداف بانتظام، والتسامح مع الذات، وتعديل الأهداف؛ إذا أثبت الواقع أنها غير واقعية».

  • «الرفاه النفسي» مسيرة طويلة تبدأ بخطوات واعية

متى نحتاج إلى مختص؟

توصي الأخصائية النفسية، بطلب الدعم النفسي؛ عندما:

• تؤثر الأعراض في النوم، أو الشهية، أو العلاقات.

• يتراجع الأداء الوظيفي.

• تستمر الأعراض أكثر من أسبوعين.

• تفشل استراتيجيات التأقلم المعتادة.

• يظهر الشعور باليأس، أو فقدان القيمة الذاتية.

وتؤكد أن طلب الدعم ليس ضعفاً، بل خطوة وعي ومسؤولية، فتقول: «أبرز المفاهيم الخاطئة، هي: الوصم الاجتماعي، والخوف من أن يُنظر إلى طالبي الدعم كأشخاص ضعفاء، أو غير أكفاء مهنياً، والاعتقاد السائد (أنا أستطيع حل مشاكلي بنفسي)، وأن طلب المساعدة فشل شخصي، بالإضافة إلى الخلط بين التعب العابر، والمرض النفسي، والتقليل من شأن الأعراض، واعتبارها مجرد (تعب).. سيزول!».

لطف مع الذات

وفي النهاية، تشير الأخصائية النفسية، هبة سالم، إلى أن أهم ما يمكن أن يبدأ به الموظف عامه الجديد، هو ممارسة اللطف الذاتي، والتسامح مع النفس. فبداية العام ليست سباقاً ماراثونياً يجب قطعه بأقصى سرعة، بل مسيرة طويلة، تستحق أن تُدار بخطوات صغيرة، وواعية. وتوضح أن الطموح لا يفترض به أن يكون مرادفاً للقسوة على الذات؛ فالطموح الصحي يركز على الجهد والتعلم والتقدم، لا على الكمال أو النتائج السريعة. لذلك، من المفيد أن يعامل الإنسان نفسه كما يعامل أفضل موظف لديه، بـ(الراحة، والتدريب، والدعم، والتقدير). وتلفت إلى أن «العام الناجح»، من منظور الصحة النفسية، هو العام الذي تتعمّق فيه العلاقات الشخصية، وتتطور به مهارات إدارة الضغط، والوعي الذاتي، ويتمكن فيه الفرد من عيش لحظات الحاضر، دون اجترار الماضي، أو الخوف المفرط من المستقبل. وهو العام الذي يتعلم فيه الإنسان قَوْل: «لا» لما يستنزفه، و«نعم» لما يغذي روحه؛ فالنجاح الحقيقي ليس ما ننجزه فقط، بل ما نصل إليه في نهاية العام، من: صحة، وسعادة، وحكمة، أكبر مما كنا عليه في بدايته.