في زاوية هادئة باستوديو صغير ينبض بالحياة، بين أكواب خزفية مزينة برسومات دقيقة، وألوان مستوحاة من الرمال والبحر.. تجلس لبنى الزرعوني، الفنانة الإماراتية المتعددة التخصصات؛ لتروي رحلتها مع الفن البصري، والخزف. هناك، بين أصابعها الماهرة والأدوات البسيطة، يتحول الطين إلى لغة تعبير عن الهوية والثقافة، عبر قطع تحمل نبضاً إنسانياً، وروحاً فنية تتجاوز الشكل؛ لتلامس الحياة اليومية.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، لن نكتفي بسماع قصة فنانة، وإنما سنعرف أكثر عن قيمة الحرفة اليدوية، وتأثير الفن في المجتمع، وكيف يمكن للفن أن يكون مساحة للشفاء، والتواصل:

متى شعرتِ بأن الطين وسيلتك للتعبير الإبداعي؟

كنت أعيش بين الألوان والخامات والإضاءة خلال عملي كمصممة داخلية، وأبحث دائماً عن طرق تجعل أعمالي تترك أثراً ملموساً. أحببت أن أضيف لمساتي الخاصة إلى بيتي، فبدأت بالرسم على الأكواب والقطع التي تحمل شخصيتي. في أول مرة لمست الطين؛ شعرت بأنه يمنح أعمالي حياة دائمة، وأنه يمثل شيئاً نعيشه يومياً. منذ تلك اللحظة، صارت كل قطعة أصنعها تحمل جزءاً من روحي وهويتي، وتصبح رابطاً بين الفن، والحياة اليومية.

توازن.. وخبرة

كيف ساعدتك خبرتك بالتصميم الداخلي في ذلك؟

التصميم علمني التوازن بين الشكل والوظيفة، وبين الجمال والراحة. في الخزف، كل خط وملمس ولون له أهميته، ما يجعل القطعة حية، وذات شخصية وروح. الخبرة السابقة جعلتني أنظر إلى التفاصيل بعين دقيقة، ومنحتني وعياً أكبر بالألوان، والتكوين.

  • لبنى الزرعوني: الطين والفن اليدوي لغة للإبداع والهوية الإماراتية

ما أبرز التحديات التي واجهتك في البداية، وكيف تعاملتِ معها؟

كانت التفاصيل التقنية أصعب من الإبداع نفسه (زمن الجفاف، والحرق، والتزجيج). بدأت بالبحث والتجريب المستمرَّيْن، فسألت، وجربت، وأخطأت، وعملت حتى فهمت التفاصيل كافة. وعندما بدأت تقديم ورش العمل، حرصت على مشاركة كل هذه التفاصيل مع الحاضرين؛ لأن الفن ينمو بالمشاركة، وليس بالكتمان.

ما الذي يميز أسلوبك الفني؟

أحب الزخارف العربية التقليدية، وأدمجها بأسلوبي الحديث، وأرى في هذا الدمج جسراً بين الماضي والحاضر، وبين التراث والحداثة؛ ليصبح العمل الفني متجذراً في الهوية، ومعاصراً في الشكل. كما أرى أن الطين والفن اليدوي لغة للإبداع والهوية الإماراتية؛ لهذا أستوحي ألواني الهادئة من البيئة المحلية، مثل: الرمال، وظل النخيل، وزرقة البحر، فأستلهم منها دون تقليد التراث حرفياً، ثم أدمج ذكرياتي وتجربتي الفنية. أريد لكل قطعة أن تمنح شعوراً بالسكينة، كأنها تذكرك بالبيت، والهدوء، واللحظات الصغيرة التي تُشعرنا بالراحة. هذا سر تميز القطعة اليدوية عن تلك المصنّعة، التي تعد مثالية، لكنها بلا روح، بينما القطعة اليدوية فيها نبض ولمسة إنسانية لا يمكن للآلة أن تمنحهما.

مساحة للشفاء

ما الهدف من ورشك التفاعلية؟

ليس الهدف منها تعليم مهارة فقط، بل أريدها مساحة للتجربة والشفاء، نتعلم خلالها الصبر والتوازن بين القوة واللين، وبين العمل والراحة. فكل خطأ يمكن أن يتحول إلى جمال؛ إذا عرفنا كيف نتعامل معه. وكثير من المشاركين يغادرون الورشة، وهم يحملون معهم طاقة إيجابية، وتجربة مميزة، وليس فقط القطع التي صنعوها.

هل هناك تجربة أثرت فيك.. بشكل شخصي؟

نعم، كانت هناك مُشَارِكة لديها ظروف صعبة، قالت لي بعد الورشة: «أول مرة، منذ شهور، أشعر براحة!». تلك اللحظة جعلتني أفهم أن الخزف ليس مجرد فن، بل منصة علاجية، ولغة حوار بين الإنسان والطين والطبيعة.

تتطلعين إلى إنشاء مركز فني.. حدثينا عن رؤيتك هذه!

أحلم بمكان يجمع الفنانين والمواهب الجديدة، والطلاب والهواة والمحترفين، تحت سقف واحد ينبض بالإبداع، والألوان والأصوات والأفكار. ويكون مركزاً يربط التراث بالحداثة، ومساحةً للتعلم والتجربة والتواصل. كما أريد أن أساهم في توعية الجيل الجديد بقيمة الحرفة، وأن يخرج كل زائر بفكرة بسيطة وعميقة، مفادها أن الجمال رحلة نعيشها، ونشاركها.

مَنْ يلهمك أعمالك الفنية؟

يلهمني كل فنان صادق مع فنه، محلياً أو عالمياً. وأعجبني كيف يحافظ الفنانون الإماراتيون على جذورهم؛ بينما يمدون أغصانهم نحو التجديد. عالمياً، تعلمت من الفكر الياباني، وفلسفة «wabi-sabi»، أن الجمال في النقص، وأن الاختلافات الصغيرة تمنح القطعة روحها وفرادتها.

ما نصيحتك للمواهب الناشئة؟

أقول لكل من لديهم موهبة: لا تخافوا من الفشل؛ فالكسر جزء من الرحلة، والخطأ يعلم أكثر من النجاح. وخوضوا التجربة بحب وصدق، فالفن الحقيقي ينبع من الإحساس والصدق الداخلي، وليس من الكمال.