كثيرة هي المشاهد والذكريات، التي يرتبط بها الصائمون، خلال شهر رمضان الفضيل، وتعيدهم إلى سنوات بعيدة من ماضيهم، على الرغم من التطور التكنولوجي والرقمي، الذي بات بديلاً عن العديد من مظاهر العيش، إلا أن هذه الذكريات تبقى معهم عاماً تلو آخر، ويعد حضورها السنوي مدعاة للفرح والشعور بالسعادة، كون هذه اللحظات تعيدهم إلى العفوية والبساطة.
-
«مدفع رمضان».. أبوظبي تزدان بمظاهر الشهر الفضيل
ومن أبرز هذه الذكريات، رؤية «مدفع رمضان»، الذي تحرص حكومة أبوظبي على وجوده سنوياً، حيث خصصت ثلاثة مواقع لإطلاق المدفع وقت الغروب في أيام شهر رمضان الفضيل: الأول: في باحة «مسجد الشيخ زايد الكبير»، والثاني في «قصر الحصن»، والثالث في «منطقة المقطع»، حيث يلتف الصائمون حول المدفع، ويحرصون على التقاط الصور وتوثيق اللحظات الثمينة التي تعيدهم إلى سنوات ماضية.
ويشرف على طقوس «مدفع رمضان» قسم الموروث الشعبي في شرطة أبوظبي، حيث تنقل وقائع إطلاق المدفع على الهواء مباشرة، خلال فترة الغروب على شبكة قنوات «أبوظبي للإعلام»، في تقليد أصيل وموروث شعبي تحافظ عليه دولة الإمارات في لفتة روحانية إيمانية غامرة، تساهم في إحياء الإرث التراثي القديم.
تاريخياً، بدأت فكرة إطلاق «مدفع رمضان»، من مصر، خلال فترة الحكم المملوكي في القرن العاشر، في عهد السلطان المملوكي «خوشقدم»، حيث تبين الروايات التاريخية أن السلطان أراد تجربة مدفع جديد، فتم إطلاقه وقت الغروب في شهر رمضان مصادفة، فاعتقد الناس أن هذا تنبيه رسمي لموعد الإفطار، فشكروا السلطان على هذه الفكرة. وعندما علمت زوجة السلطان، التي كانت معروفة بحبها لأعمال الخير، بهذا الأمر، طلبت استمرار إطلاق المدفع يومياً؛ بهدف تنبيه الناس إلى موعد الإفطار، ومنذ ذلك الحين أصبح تقليداً ثابتاً.
وأدى نجاح الفكرة في مصر إلى انتقالها إلى الدول العربية والإسلامية، حيث تم اعتمادها في إسطنبول إبان الحكم العثماني، ومن هناك انتقلت إلى بلاد الشام، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومنطقة الخليج العربي، قبل انتقالها إلى شمال أفريقيا، وبعض مناطق آسيا الوسطى.
ويحمل «مدفع رمضان» رمزية خاصة، تتجاوز كونه إشارة زمنية، فهو يعكس الترابط بين الماضي والحاضر، ويدعو الأجيال للتأمل في بساطة الحياة، وقيم التواصل المجتمعي التي كانت سائدة. فهو يجمع العائلات ويمنح لحظات من الترقب والفرح، خاصة في زمن كانت فيه وسائل الإعلام والاتصالات محدودة، فكل صوت كان يحمل رسالة مليئة بالطمأنينة، ليعلم الناس أن وقت الإفطار قد حان.