تعد «الأزياء الفضفاضة» (Oversized) أحد المسارات التصميمية الأساسية، التي تُعيد صياغة مفهوم الشكل في الموضة المعاصرة. هذا التوجّه - كما عكسته أزياء شتاء 2026، بوفرة من المعاطف الضخمة، والبدلات الواسعة ذات الأكتاف البارزة، والخصر المنخفض أو غير المحدد - لا يعتمد على المبالغة، بقدر ما يستند إلى إعادة التفكير في الحجم، والنِّسَب، وبنية القطعة، والطبقات لتعزيز العمق والحركة، بحيث يصبح الاتساع عنصراً جمالياً مقصوداً، والحجم هنا ليس نتيجة لتكبير المقاس، بل أداة تصميمية، تُستخدم لصياغة حضور بصري مستقل، وليس انعكاساً مباشراً لأبعاد الجسم.
-
الأزياء الفضفاضة.. عندما يتحوّل الحجم إلى لغة تصميم
جذور تاريخية
تعود «الأزياء الفضفاضة» إلى تحوّلات وظيفية وبنيوية في تصميم الملابس، حيث كان الاتساع في الأصل استجابة لحاجة عملية تتعلق بحرية الحركة، والقدرة على التكيّف مع تغيّر الأجسام، والظروف المناخية. ومع تطوّر الصناعة، تحوّل هذا الاتساع من حل نفعي إلى خيار تصميمي حداثي، وخلال التسعينيات، أعادت ثقافة «الهيب هوب»، وأزياء الشارع، تعريف الحجم؛ بوصفه عنصراً بصرياً فاعلاً، قبل أن تتبنّاه دور الأزياء الكبرى، لاحقاً، ضمن سياقات أعمق، حيث يكتسب الاتساع بُعداً معمارياً كلغة تصميم قائمة بذاتها.
-
الأزياء الفضفاضة.. عندما يتحوّل الحجم إلى لغة تصميم
دَوْر الكتلة.. والفراغ
على المستوى الشكلي، تتعامل الخطوط الفضفاضة مع القطعة ككيان بصري حرٍّ، لا يتبع خطوط الجسد. ويتم بناء «السيلويت» (Silhouette)، أو الصورة الظلية، والحدود الخارجية للتكوين، من خلال الأكتاف البارزة، والأطوال الممدودة، والقصّات الواسعة، اعتماداً على توازن مدروس بين الكتلة والفراغ. والكتلة تتمثّل في حجم القماش، وثِقَله البصري، بينما يوفر الفراغ مساحة حول الجسم، تُبرز حدود التصميم، وتمنحه وضوحاً وهيكلاً. هذا التوازن يمنح القطعة طابعها المعماري، ويُبعدها عن الزخرفة التقليدية، مثل: التطريز، والنقوش المتكررة، إذ يتم الاستغناء عن هذه العناصر لصالح الجماليات الناتجة عن البنية، والهيئة.
-
الأزياء الفضفاضة.. عندما يتحوّل الحجم إلى لغة تصميم
«الفضفاضة» مستدامة
يبقى الفرق الجوهري بين الأزياء الفضفاضة المصمَّمة بعناية، والقطع الواسعة عشوائياً، في دقة التنفيذ؛ فالتحكم في النِّسَب، وموقع خط الكتف، وطول الأكمام، واتساع الجذع، كلها عناصر حاسمة في نجاح التصميم. وفي الموضة «المينمال» (الهادئة)، يتم الاكتفاء بلون واحد، وقصة واضحة، وحجم مدروس. أما في «الماكسيمال» (الصاخبة)، فنرى الطبقات والأحجام المتعددة والتباين. وتؤدي الخامة دوراً محورياً؛ فالأقمشة الثقيلة تعزّز البنية والهيكل، بينما تضيف الخامات الأخف حركة وسيولة تكسران حدة الحجم؛ لذا تبرز أهمية اختيار الخامة؛ لتجنّب فقدان الهيكل، أو الفوضى البصرية. وفي هذا الإطار، يصبح الاتساع نتيجة إعادة هندسة كاملة للقطعة، وليس مجرد توسعة سطحية، ما يمنح «الأزياء الفضفاضة» مكانتها كاتجاه طويل المدى، وليست كصيحة عابرة.