من بين الكنوز المرصّعة، التي ازدانت بها خزائن التاج البريطاني، يظلّ «تاج فلاديمير» قطعة استثنائية، تتجاوز كونها مجرّد تاج مرصّع بالألماس. إنّه شاهد على تحوّلات سياسية كبرى، ورحلة هروب درامية من روسيا القيصرية، ثم تحوّله إلى إحدى القطع الأقرب إلى قلب الملكة إليزابيث الثانية، حتى كان آخر تاج أطلت به علناً، قبل رحيلها في سبتمبر 2022.
هذا التاج ليس فقط تحفة فنية، بل سيرة كاملة من التاريخ الأوروبي، تتنقّل بين قصور سانت بطرسبرغ وباكنغهام، وتُخْتَصر في تصميمه الباذخ حكاية نساء ملكيات، عرفن كيف يحوّلن المجوهرات إلى رموز قوة وحضور.
-
«تاج فلاديمير».. هذا تاريخ أحد التيجان المفضلة للملكة إليزابيث الثانية
من قصر فلاديمير في روسيا.. إلى لندن:
تعود جذور التاج إلى عام 1874، حين صُمّم كهدية زفاف للدوقة ماري من مكلنبورغ-شفيرين، التي عُرفت لاحقاً باسم «ماريا بافلوفنا»، دوقة روسيا الكبرى، وهي زوجة الدوق الأكبر فلاديمير ألكسندروفيتش، وإحدى أبرز سيدات البلاط الإمبراطوري الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. وقد صاغ التاج صائغ البلاط الإمبراطوري الروسي بولين، فجاء بتصميم دائري متشابك من حلقات الألماس، التي تتدلّى منها 15 لؤلؤة كمثرية الشكل.
لكن التاريخ لم يترك هذه الجوهرة تنعم بالاستقرار طويلاً؛ فمع اندلاع الثورة الروسية عام 1917، اضطرت الدوقة الكبرى إلى الفرار من قصر فلاديمير، تاركة وراءها مجوهراتها مخبّأة في غرفتها. وفي عملية أشبه بفيلم تجسس، تمكّن ابنها الدوق الأكبر بوريس، بمساعدة تاجر فنون بريطاني، متنكرين في ملابس عمّال، من استعادة المجوهرات، قبل تهريبها إلى إنجلترا.
انتقاله إلى العائلة المالكة البريطانية:
بعد وفاة «ماريا بافلوفنا» عام 1920، ورثت ابنتها الكبرى التاج، الأميرة نيكولاس من اليونان والدنمارك. إلا أن الظروف المالية دفعتها إلى بيع بعض مجوهرات والدتها، فاشترت التاج الملكة ماري، ملكة بريطانيا العظمى، وهي زوجة الملك جورج الخامس، ووالدة الملك جورج السادس، وجدة الملكة إليزابيث الثانية، عام 1921، مضيفة إياه إلى مجموعتها اللافتة من القطع التاريخية.
-
«تاج فلاديمير».. هذا تاريخ أحد التيجان المفضلة للملكة إليزابيث الثانية
ولم يكن اقتناء التاج مجرد صفقة شراء، بل بداية فصل جديد في حياته. فقد تعرّض التاج لبعض الأضرار أثناء نقله من روسيا إلى بريطانيا، ما دفع الملكة ماري إلى تكليف دار المجوهرات العريقة «Garrard» بإصلاح هيكله.
وفي عام 1924، طلبت ماري تعديلاً إضافياً يمنح القطعة مرونة أكبر، بحيث يمكن استبدال اللآلئ الأصلية بزمردات متدلّية من مجموعة عائلة كامبريدج. وهكذا أصبح التاج قابلاً للارتداء بثلاث طرق مختلفة: باللآلئ، أو بالزمرد، أو من دون أي دلايات، فيما يُعرف بـ«أسلوب الأرملة».
تاج مفضّل للملكة إليزابيث الثانية:
عندما توفيت الملكة ماري عام 1953، انتقل التاج إلى حفيدتها الملكة إليزابيث الثانية، التي وجدته ملائماً لأسلوبها الكلاسيكي الراقي. وارتدته للمرة الأولى بعد أربعة أشهر فقط من تتويجها، خلال العرض الملكي لفيلم «Rob Roy» في أكتوبر 1953، ومنذ ذلك الحين أصبح خياراً متكرراً في حفلات العشاء الرسمية، والمآدب الدبلوماسية.
وتميّزت إليزابيث الثانية بقدرتها على توظيف المجوهرات سياسياً؛ فالاختيار بين اللؤلؤ والزمرد لم يكن تفصيلاً عابراً. ففي المناسبات ذات الطابع الدولي، كانت تميل أحياناً إلى الزمرد الأخضر، مانحة الإطلالة عمقاً لونياً يتناغم مع أوسمة الدولة، وأقمشة الساتان الثقيلة.
ظهوره الأخير.. ورسالة وداع صامتة:
في ديسمبر 2019، خلال الاستقبال الدبلوماسي بقصر باكنغهام، ظهرت الملكة مرتدية التاج مع دلايات الزمرد، منسّقاً مع أقراط وقلادة متدلية من الزمرد أيضاً. ولم يكن أحد يعلم أن تلك ستكون آخر مرة يُشاهد فيها التاج على رأسها علناً.
-
«تاج فلاديمير».. هذا تاريخ أحد التيجان المفضلة للملكة إليزابيث الثانية
بعد رحيلها في سبتمبر 2022، بقي التاج محفوظاً ضمن المجموعة الخاصة للعائلة المالكة البريطانية، دون أن يُرتدى مجدداً حتى الآن. وفي الذكرى الأولى لوفاتها عام 2023، نشر الملك تشارلز الثالث صورة غير منشورة لوالدته، وهي ترتديه، مرفقة برسالة عبّر فيها عن امتنانه لحياتها الحافلة بالخدمة العامة.
حضوره في الثقافة الشعبية.. والمعارض:
لم يقتصر حضور التاج على المناسبات الرسمية؛ ففي عام 2019، ظهر بنسخة مقلّدة في فيلم «Downton Abbey»، ضمن مشهد زيارة الملك جورج الخامس، والملكة ماري لعائلة كراولي، ما أعاد تسليط الضوء عليه لدى جيل جديد من المتابعين.
أما النسخة الأصلية، فقد عُرضت عدة مرات في قصر باكنغهام، أبرزها عام 2006، احتفالاً بعيد ميلاد الملكة الثمانين، ثم ضمن معرض «اليوبيل البلاتيني لاعتلاء الملكة العرش» عام 2022، الذي نظمه الصندوق الملكي للمجموعة الملكية؛ احتفاءً بمرور سبعين عاماً على توليها العرش.
-
«تاج فلاديمير».. هذا تاريخ أحد التيجان المفضلة للملكة إليزابيث الثانية
قطعة خاصة ضمن مجموعة العائلة المالكة:
ينتمي «تاج فلاديمير» إلى المجموعة الخاصة للعائلة المالكة، ما يعني أنه ليس من مجوهرات التاج الرسمية التابعة للدولة، بل من الممتلكات الشخصية المتوارثة. وهذا التفصيل يمنحه بُعداً عاطفياً إضافياً، إذ يرتبط مباشرة بالملكات اللواتي اخترنه، واحتفظن به عبر أجيال.
اليوم، وبعد أكثر من قرن ونصف القرن على تصميمه، لا يزال «تاج فلاديمير» رمزاً للأناقة الملكية الكلاسيكية، وجسراً بين إمبراطوريتين سقطتا، وملكية دستورية استمرت.. إنه قطعة واحدة تختصر تاريخاً من: السياسة، والذوق، والبقاء.