كانت يدي أصغر من يده بكثير، حين أغلق عليها أصابعه؛ فبدت لي كأنها «يمامة» أوت إلى عش!.. في ذاك المساء، والشمس تتثاءب على «فراش السماء»، والخريف يغريه الجمال حولنا؛ فيحاول تقليد الربيع، والريح أعلنت الهدنة؛ فتركت مكانها لرقة النسيم.. كان صوته يغلب كل البهاء حولي: «في أعرافنا الحناء زينة الفرح، لكن في حكايتنا دعيها تكون ختم ملكية بدائياً، يربط أحدنا بصاحبه، دعينا لا نرسم على الجلد، بل ننقش على جدار الزمن!».

«لا تتحركي!» قالها ودقات قلبه ترسم قبل أنامله على معصمي فلا أشعر ببرودة الحناء بل بدفء شمس خاصة تبدو لي وكأنها ولدت في فلكها لنا وحدنا، ولا أشم رائحة النبات العطرية بل عبق جنة عذراء لم تفتح أبوابها إلا لنا.  رسم «ساعة رملية»، في كل قسم منها زهرة، كأنه يخبرني - بلا كلمات - بأن الزمن يمر؛ فلا يزيد زهورنا إلا رِيًّا.. كلتاهما تمنح الأخرى بهاء وحياة، وعندما طلب مني أن أفعل المثل، رسمت على أحد معصمَيْه مفتاحاً ناقصاً، وعلى الأخرى قفلاً مكسوراً، كأنني أخبره بأننا لن نكتفي بأن نكمل بعضنا، بل سنصنع لغزاً جديداً، نعيش لنحله معاً! 

«لو ضعت منكِ.. دعيها تدلك إليّ».. بقيت أذكرها بصوته قبل رحيله؛ كلما كنت أتبين «بقعة الحناء» يبهت لونها، يوماً بعد يوم.. حتى اختفى تماماً!.. لا أزال أرتجف كلما مسَّ أحدهم معصمي؛ كأنه اقترب من حدود «مملكة محرمة» إلا على سلطانها!.. لا أزال أتعثر في طريق ظننته واضحاً؛ فلم يزدني الولوج فيه إلا تيهاً!.. لا أزال أناشد الفجر، الذي تأخر، أن يعطل «ماكينة الليل الطويل»! 

ما الذي يتبقى لنا من الحب؛ عندما يحلق مهاجراً على ظهر «نورس»؟!.. الجواب أجده على معصمي في «بقعة باهتة»؛ كلما نظرت إليه لا أجد جلداً وعظاماً، بل أرى ساعة رملية لم تعد تنزلق..!

بعض اللحظات أكثر عناداً من أن تمضي.. يقولون: «إن الفراق يقتل أجمل ما فينا».. لكنني صرت على يقين بأن أجمل ما في الحب ليس سحر البداية، ولا توهج «المركز»، بل أحياناً نهاية واعية، تتحول فيها الحكاية إلى «بقعة حناء» على يد الذاكرة، ننظر إليها؛ فلا نرى فراقاً، بل نرى دليلاً على أن شيئاً رائعاً مرَّ من هنا، واستحق أن يترك أثراً. تبهت «البقعة»، وتذبل، وربما تتلاشى.. لكنها تترك في القلب درساً لا يُنسى، يجعل الحياة أجدر بأن تعاش.