«المحيط الأزرق» فيك، وحولك.. تكتشفه في لحظات لهفة سؤالك الغريب الفاتح لآفاق جديدة، وتكتشفه في تميز بصمتك عبر إبراز صوتك الخاص المتفرد، صوتك المتماهي مع فكرة الإبداع، والتحليق، ومغامرة الكشف والتجلي الحُر في المحيط الهادئ الصافي، صوتك الخاص الذي ينفضك تماماً من أطلال البرامج المتكلسة، والصراعات، ويصفِّيك من التنظيرات الثابتة، والمحدودة، عبر العصور.
في كل مرة تجد فيها نفسك في إبحار حُر داخل محيطك الصافي؛ تَذَكَّرْ أنك تبعث رسالة للكون بأنك مستعد لفتح أبوابٍ جديدة، واستفتاح مخيلة أرقى، وأعمق، وأكثر انمحاءً وذوباناً في «الجنون الحالم».
ربما، في البدء، كنتَ ذلك المحيط اللامع، إلا أنك لم تنتبه إلى الزرقة الصافية في داخلك؛ بسبب ضبابك الكثيف المتكدّّس عبر السنين، فقد كنت محاطاً بدروس حمراء متراكمة، كنت في مساحة اللهاث والصراع النفسي لإثبات الذات، وربما كنت ضمن بيئات عمل قائمة على مبدأ التفوق، والأكثر، والأقل، ومعايير تنافسية أطفأتْ جوهر الإنسان، وحصرته في تكريسات فكرية متوارثة.. فكم مررت بعلاقات مقارنة، ومنافسة مرهقة، ومبنية على احتياج للتفوق؛ ظناً منك أنها تمنحك قوة وكفاية؟!.. لقد كنت محدوداً بتصوُّرك هذا، مُستنزفاً - لا محالة - بالخوف من التهميش، أو الإقصاء، أو الهجر، أو الفقر.. وبمشاعر مزدحمة واحتياجات مكبوتة وقيم منخفضة، كنتَ تحاول القبض على الفرص، واللهاث خلف الامتيازات؛ بحثاً عن إرضاء الجميع.. إلا نفسك، فكم حمَّلْتَ نفسك أعلى من طاقتها، وعملت أكثر مِنْ مستطاعك؟!
أتدري كيف انحسرتْ الزرقة والصفاء عن محيطك، وتركت روحك تنزف بالاحمرار القائم على الصراع واللهاث؟!.. لقد كنت مليئاً بالجروح، التي استحالتْ إلى عقد شخصية، حتى إن هذه الجروح بقيت مفتوحة، وهشة، ومعرضة للعبث، ويُعاد نكْؤها وتلويثها كلَّ مرة كنت تحاول فيها إخفاء هزيمتك وضعفك وهشاشتك، دون إلمام بالترسبات التي فاضت من جذر الجرح. لقد أوهموك، لسنوات طوال من الكدح والمثابرة، بأن النجاح يكمن في تحمل الضغوط، وعلى حد اعتقادهم: «كلما تكثَّف الضغط؛ تقوَّتْ عضلة التحمل، وصرتَ أقوى، وأكثر تحملاً.. ونجاحاً!».
هل، فعلاً، يكمن نجاحك في عدد الضغوط والمسؤوليات، الموكلة إليك؟.. ألا توجد مساحة أخرى؛ لتجلي النيات، وسلوك الطريق الملامس لفضاء التألق والتميز؟
ومع سنوات الانصهار في المنظومات العملية؛ دخلت تدريجياً، دون انتباه، في محيط أحمر كبير، وشاسع، ومليء بالتيارات العشوائية، و«الدوامات» المتضاربة. لقد سبحت متوتراً عن شاطئك، حتى تلاشتْ حقيقتك، وابتعدتْ وسط ضجيج المحيط، وهيجان أمواجه، سبحتَ طويلاً باحثاً عنك، حالماً بالعودة إلى نفسك، لكنك ضللت الشاطئ؛ حين تكثف «الموج الأحمر»، الذي علّمك التنازل كثيراً، وتكرار نمط التجديف نفسه؛ أملاً في النجاة، والبقاء على «قيد الحياة»؛ فكنتَ مُتشظياً داخل قيدك الخاص، دون أن تظفر بكينونتك، وتلامس لمعان جوهر الحياة!
أما آن الأوان؛ لتطمئن؟!.. وتعيد ضبط بوصلتك الحياتية، وإعادة صنع هويتك الجديدة، عبر التناغم والانسجام والسلام؛ كي تكون أنت «المايسترو» القائد لإيقاع حياتك الأصيلة؟.. واعلم أن اختلافك، وهو «محيطك الأزرق» الصافي، تذكير بأنك ما جئتَ لتُكرر أحداً، بل لتُسمِع الحياةَ صوتَك، الذي تصقله عبر إيقاعك المتسع، وحضورك الهادئ المتزن، وقيمك الواضحة، وأفكارك النبيهة.. وهنا، تكمن متعة رحلة الإبحار في «المحيط الأزرق»!