«لندن» مدينة تعرف كيف تصنع الحلم. من واجهات «مايفير» اللامعة إلى عروض «أسبوع الموضة»، التي تحوّل العاصمة إلى مسرح عالمي للأناقة، لطالما كانت المملكة المتحدة محطة أساسية على خريطة المتسوقين الباحثين عن الفخامة. لكن بعد عقد على «بريكست»، أو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، يبدو أن هذا البريق يواجه اختباراً حقيقياً.

  • هل تنجح المملكة المتحدة في استعادة سياح الرفاهية؟

وفي عام 2021، ألغت الحكومة البريطانية نظام التسوق المعفى من ضريبة القيمة المضافة للزوار الأجانب. إنه قرار تقني في ظاهره، لكنه في عالم الرفاهية أشبه بسحب ميزة تنافسية أساسية؛ فالسائح الفاخر لا يشتري فقط قطعة أزياء أو ساعة نادرة، بل يشتري تجربة متكاملة، تبدأ من الفندق، وتنتهي بحقيبة مختومة باسم المدينة التي زارها. وعندما تتوافر له ميزة استرداد الضريبة في باريس أو ميلانو، بينما تغيب في لندن، يصبح قرار الوجهة أكثر وضوحاً.

دار «بربري» عبّرت بوضوح عن هذا التحول، معتبرة أن السوق المحلي تأثر بشكل ملحوظ بإلغاء استرداد الضريبة، ما جعل المملكة المتحدة أقل تنافسية كوجهة للتسوق السياحي الفاخر، مقارنة بجاراتها من الدول الأوروبية. وفي وقت تعوّل فيه العلامات على تدفقات الزوار الدوليين، بات إنفاق العملاء المحليين يسد فجوة تركها تراجع السياح.

والأرقام تؤكد المشهد، ووفق البيانات فقد أنفق الزوار الأثرياء في باريس، خلال أسبوع الأزياء الراقية لخريف وشتاء 2025، ما متوسطه 2,680 يورو للفرد، بينما تجاوز إنفاق أصحاب الثروات الفائقة الـ18 ألف يورو للفرد. هذه الأرقام لا تعكس فقط شغفاً بالموضة، بل نتيجة مباشرة لسياسات تحفّز التسوق عبر استرداد الضريبة.

وفي المقابل، أظهر تقرير صادر عن الجهة الممثلة لقطاع الرفاهية البريطاني أن تعافي المملكة المتحدة في إنفاق الزوار مرتفعي الإنفاق لا يزال متأخراً، مقارنة بفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ورغم أن القطاع يُدرّ نحو 81 مليار جنيه إسترليني سنوياً، ويدعم مئات الآلاف من الوظائف، فإن جزءاً معتبراً من إمكانات النمو يبقى معلقاً بسياسات الجذب السياحي.

المفارقة أن لندن لم تفقد جاذبيتها الثقافية أو الإبداعية. ففعاليات، مثل: أسبوع الموضة الذي ينظمه المجلس البريطاني للموضة، وحفل جوائز «بافتا»، تضع العاصمة في قلب المشهد العالمي، كما شهدت المدينة افتتاح عشرات الفنادق الفاخرة الجديدة، بين: 2022، و2026، في إشارة إلى ثقة المستثمرين بجاذبيتها طويلة الأمد.

  • هل تنجح المملكة المتحدة في استعادة سياح الرفاهية؟

لكن في سوق الرفاهية، التجربة وحدها لا تكفي. فالسعر، أو بالأحرى الإحساس بالقيمة، يعتبر عنصراً حاسماً. وشعور السائح بأنه يحصل على ميزة حصرية يعزز رغبته في الإنفاق، ويحوّل الرحلة إلى فرصة تسوق مدروسة. أما غياب هذا الحافز، فينعكس بوضوح في أماكن مثل مطار هيثرو، الذي كان يعالج الغالبية الساحقة من عمليات استرداد الضريبة قبل «بريكست»، ويشهد اليوم تراجعاً في بعض فئات الرفاهية العالية السعر.

التأثير لا يطال المتاجر وحدها، بل يمتد إلى صالونات التجميل، والمنتجعات الصحية، والمسارح، وحتى ورش التصنيع في الأقاليم البريطانية، التي تنتج المعاطف الجلدية، والحقائب الفاخرة. فكل حقيبة لا تُشترى في لندن قد تعني قطعة أقل تُصنّع في بريطانيا.

والتساؤل، اليوم، ليس ما إذا كانت لندن لا تزال عاصمة للإبداع، فهي كذلك بلا جدال، بل ما إذا كانت قادرة على ترجمة هذا الإبداع إلى إنفاق فعلي، في سوق تتنافس فيه العواصم الأوروبية على كل سائح فاخر.

واستعادة سياح الرفاهية قد لا تتطلب إعادة اختراع التجربة البريطانية، بل إعادة تفعيل أدوات الجذب، التي تجعل زيارة لندن صفقة لا تُقاوم. وفي عالم تُحسم فيه قرارات التسوق بفارق ضريبي بسيط، قد تكون السياسة المالية بقدر أهمية عرض الأزياء نفسه.