في مساحة تحتفي بروح التجدّد، تَبْرز تجربة الفنانة الإماراتية، فاطمة الحمادي، دليلاً على قدرة الفنان على إعادة تشكيل رؤيته مع كل مرحلة. فرحلتها، الممتدة إلى ثلاثة عقود، شهدت سلسلة تحوّلات عميقة، أعادت خلالها بناء علاقتها بالحَرْف، واللون، والمدينة. وانتقلت الحمادي من التشكيل الأكاديمي إلى الحروفية كلغتها الخاصة، ثم أطلقت الحرف إلى فضاء «الغرافيتي»؛ ليتفاعل مع نبض الشارع. وبين التعليم والتجريب وتأسيس «زاوية فن»، منحت الحَرْف العربي مسارات جديدة مع أجيال متعددة، مؤكدة أن الهوية مشروع دائم التغيّر.. في هذا الحوار، تتحدث الفنانة الإماراتية عن المحطات التي أعادت تشكيل تجربتها، وشعورها بأنها تتقدّم نحو أفق جديد، يوسّع حضور الحَرْف في أعمالها:
-
فاطمة الحمادي: الحروفية جسر بين ثقافتي والآخر
متى شعرتِ بأن الفن سيكون لغتك التعبيرية الأساسية؟
منذ طفولتي، كنت أجد راحتي في الرسم؛ وعندما رسمت أول مرة بالحروف العربية؛ شعرت بأنني أتكلم من خلال الخط واللون، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة. كان الحرف - بالنسبة لي - اكتشافًا لقدرتي على التعبير عن الذات، بطريقة تجمع بين الجمال، والتأمل.
بين الماضي.. والحاضر
كيف أثرت البيئة الإماراتية، والأسرة، في تكوين شخصيتك الفنية؟
البيئة الإماراتية مليئة بالجمال البصري، مثل: التراث، والعمارة، والألوان الطبيعية للصحراء، والبحر. هذه العناصر تركت أثرها العميق في ذائقتي الفنية. أما أسرتي، فدعمتني ومنحتني حرية البحث والتجريب. هذا الجمع بين الجذور والانفتاح؛ جعلني أرى الفن الإماراتي حروفاً ممتدة من ماضٍ أصيل، إلى حاضرٍ نابض بالحياة.
-
فاطمة الحمادي: الحروفية جسر بين ثقافتي والآخر
كيف توازنين بين الماضي، والحاضر، في أعمالك التي تمزج الحداثة بالتراث؟
إن التراث ليس ماضياً منتهياً، بل طاقة مستمرة، يمكن إعادة اكتشافها. إنني أستمد من جماليات الخط العربي روحه الأصيلة، وأقدمها في قالب معاصر، يعبّر عن اللحظة الراهنة، ولا أستخدم الحرف كعنصر زخرفي فقط، بل كصوت يحمل إحساسًا وفكرةً. وأحاول، دائمًا، أن أجعله يتحاور مع اللون والمكان؛ ليولد منه توازن بصري، وروحي.
ما المرحلة، التي تعتبرينها نقطة تحوّل في مسارك؟
هناك مرحلتان غيّرتا نظرتي إلى الفن: الأولى: عندما بدأت التعامل مع الحرف العربي كعنصر جمالي مستقل؛ لأنني اكتشفت فيه لغة تتجاوز الكلمة؛ لتصبح إحساسًا بصريًا عميقًا، يمكن أن يلامس المتلقي العربي، والأجنبي، على السواء. فالحرف - لديَّ - وسيلة لإيصال الجمال العربي بطريقة معاصرة، تُشعر الجميع بعمق ثقافتنا. الثانية: كانت عندما رسمت جدارية عامة ضخمة، وهي تجربة مليئة بالتحدي والحماسة والفخر؛ لأنها علمتني أن الحرف يمكن أن يخرج من اللوحات المغلقة؛ ليعيش في الفضاء العام، على جدران المدينة، كرسالة بصرية تحاور العامة، وتشاركهم يومهم.
كيف تختارين موضوعات أعمالك؟
غالبًا، أبدأ من فكرة تتعلق بالهوية أو بالإنسان. بعدها، أبحث عن الإيقاع البصري للحرف في المواقف اليومية، وأترجم المشاعر إلى خطوط وانحناءات. إن الحرف عندي ليس مجرّد رمز لغوي، بل مرآة لروح التجربة.
-
فاطمة الحمادي: الحروفية جسر بين ثقافتي والآخر
ما الأدوار المهنية التي تقومين بها، وأيُّ هذه المسارات يلهمك أكثر في اللحظة الحالية؟
هناك العديد من الأدوار المهنية، التي أقوم بها؛ فأنا: فنانة، وأكاديمية، ومدرّبة، ومؤسّسة مدرسة «زاوية فن»، ومصمّمة مناهج بوزارة التربية والتعليم.. هذه الأدوار تكمل بعضها؛ فحين أدرّس الفن؛ أتعلم من طلابي عفوية الاكتشاف، وحين أعمل على لوحة جديدة؛ أستعيد دهشة البدايات. أما دوري كمدرّبة ومؤسسة «زاوية فن»، فيجعلني أشعر بأنني أفتح بابًا لبدايات جديدة للحرف مع الأجيال الصاعدة، وأنني أنقل الحرف العربي من جيل إلى آخر كأمانة جمالية.
روح ثقافية
الخط العربي روح ثقافتنا، وهوية بصرية عميقة.. كيف تتواصلين معه؟
الخط العربي ليس مجرد عنصر زخرفي؛ فأنا أعتبره كائناً حياً يتنفس داخل اللوحة؛ لذلك أتعامل معه بحب واحترام، وأحاوره، وأكتشف معه حالات مختلفة من التعبير. أحيانًا، يكون الحرف همسًا، أو صرخة، لكنه صادق دائمًا؛ فهو رفيقي في رحلتي الفنية، وبصمتي في الحياة، ويحمل عني ما لا أستطيع قوله بالكلمات، وهو أيضاً خلاصة كل ما أحبه، وأؤمن به، وهو المسار الذي اختارني كما اخترته.
-
فاطمة الحمادي: الحروفية جسر بين ثقافتي والآخر
من خلال تجربتك.. كيف تتقاطع الدقة والانضباط في الرسم الأكاديمي، مع العفوية والانطلاق في «الغرافيتي»؟
الدقة الأكاديمية تمنحني احترام مجالي، و«الغرافيتي» يعلمني الحرية والانطلاق؛ فعندما أدمج الحرف العربي في «الغرافيتي»؛ أشعر بأنني أضع التراث في فضاء الحياة الحديثة؛ فيصبح الشارع متحفًا مفتوحًا للجمال. و«الغرافيتي» يُخرج الفن من الإطار التقليدي، ويجعله جزءاً من الحياة اليومية. رأيت، مرةً، طفلًا يلمس جدارًا عليه حروفي، وينظر إليه بإعجاب؛ عندها أدركت أن الحرف وصل إلى قلبه، قبل أن يفهم معناه، وأن الجمال البصري لغة عالمية.
ما الذي يميز الساحة الفنية الإماراتية، عن غيرها في دول المنطقة؟
تتميز الساحة الفنية الإماراتية بتنوعها الثقافي، وانفتاحها على العالم؛ فالإمارات أصبحت بيئة خصبة للفنون، والحَرْفُ العربي يجد فيها مساحة للتجدد، والتفاعل مع الاتجاهات الحديثة.
ما المشروع الفني، الذي تحلمين بإنجازه؟
أحلم بإقامة معرض عالمي كبير، يجمع بين فن الحروفيات، والتقنيات الحديثة؛ لتتفاعل الحروف مع الضوء والحركة والصوت؛ فتشهد تجربة حسية كاملة مع المتلقي.