إماراتيات يحرسن الإرث والتاريخ في متحف العين
في قلب مدينة العين، حيث يتعانق الحاضر مع ذاكرة الماضي، يقف متحف العين شاهداً على الزمن؛ فتروي جدرانه حكايات المكان، ومسيرة الإنسان منذ العصر الحجري، وصولاً إلى تفاصيل الحياة اليومية في المدينة. وتستعرض مقتنياته محطات الحضارة، من نظام الأفلاج العريق إلى العادات والتقاليد، التي أسهمت في تشكيل الهوية الإماراتية.
وكما في مساحات العطاء الوطني كافة، تحضر المرأة الإماراتية في صميم هذه التجربة الثقافية؛ فتمنح التاريخ روحه، وتصوغ تفاصيله بحسٍّ واعٍ، ومسؤولية عميقة. فبين قيّمات فنيات يبعثن الحياة في كل قطعة، وباحثات وأثريات يكشفن سرديات هذه الأرض، وموظفات تجربة الزوار اللواتي يصممن رحلة معرفية تتفاعل خلالها الحواس.. يتحول متحف العين إلى فضاء نابض بالإبداع، ومنصة تعكس الهوية الوطنية، وتغرس مشاعر الفخر والانتماء.
وفي عمق هذه التجربة، يؤكد عمر سالم الكعبي، مدير المتحف، أن رسالة المكان تتخطى حفظ التاريخ، بقوله: «انطلاقاً من رؤية قيادتنا الرشيدة لمكانة المرأة الإماراتية؛ نفخر بأن تكون بنات الوطن الركيزة الأساسية في فريق عملنا؛ فلا نكتفي بتمكينهنّ وظيفياً، بل نسعى لأن يكون المتحف منصة رائدة لتعليمهن، وتطوير مهاراتهن. فإبداع الإماراتية، اليوم، في نقل موروثنا إلى العالم، هو أصدق تعبير عن استدامة هويتنا، ونحن ملتزمون بدعمهن؛ ليكنَّ دائماً في طليعة هذا الحراك الثقافي».
-
إماراتيات يحرسن الإرث والتاريخ في متحف العين
شيخة البلوشي:
نصمم للزائر رحلة حية في قلب التاريخ
بين صالات العرض، تتحرك شيخة البلوشي، مسؤولة تجربة الزائر، بخطى واثقة؛ لتنسج قصصاً متكاملة، يسردها كل مسار في المتحف، وفي حديثها لـ«زهرة الخليج»، تقول: «يتكوّن فريق تجربة الزوار من 15 موظفة إماراتية، يجسّدن نموذجاً حياً للإبداع والتمكين، حيث يثري تنوع خلفياتهن التعليمية والمهنية بيئة العمل، وينعكس تكامل مهاراتهن على كل تجربة زائر، ما يجعلها أكثر ثراءً، وإشراقاً».
وعن أول ما يتبادر إلى ذهنها؛ عند تصميم رحلة الزائر، توضح البلوشي: «أسأل نفسي دائماً: كيف يمكن للزائر أن يعيش التاريخ، ويشعر بأنه جزء منه؟.. إن كل مسار، لدينا، يبدأ من رغبتنا في جعل الرحلة شخصية وشاملة؛ لينهي كل زائر رحلته، مهما كان عمره أو خلفيته، بشعور يجعله متصلاً بالماضي، وبالقصص التي نسردها في المتحف».
وفي حديثها معنا، طلبنا من البلوشي أن تتخيّل حواراً بينها وبين طفلة تزور المتحف، لأول مرة.. وتسألها: «لماذا أحافظ على التراث؟».. فتجيبها: «لأن التراث قصتنا، وهويتنا. وحين تحافظين عليه، تصبحين جزءاً من هذه القصة، وتمنحين نفسك القدرة على فهم من أنتِ، ومن أين أتى أجدادكِ. إن الحفاظ على التراث حفاظ على فخرك بوطنك، وانتمائك إليه».
-
إماراتيات يحرسن الإرث والتاريخ في متحف العين
شيخة العزيزي:
نجعل من كل زاوية اوعاءً للذاكرةب
في الطابق الأعلى، تضع شيخة العزيزي، مهندسة قسم المعارض، لمساتها الدقيقة على كل زاوية وارتفاع؛ لتتحوّل المساحة إلى ما تصفه بـ«وعاء الذاكرة»، وتشير في هذا السياق: «هندسة المتحف ليست مجرد أبعاد وجدران، بل وسيلة لحماية التراث وإبرازه بأفضل صورة. فكل منصة، وإضاءة، وزاوية تروي قصة بلا كلمات».
وتضيف العزيزي: «نبدأ، دائماً، بفهم عميق للقصة: سياقها الزمني، ورسالتها، ثم نحوّل هذه العناصر إلى رحلة مكانية يعيشها الزائر. ولأنني مهندسة إماراتية، أعمل على مزج الدقة الهندسية بالعاطفة؛ لأبني بيتاً لهويتنا، وليس مجرد منصات عرض. إنها هندسة بروح وطنية، تحمل عبق الماضي، وتفتح أبواب التواصل مع الحاضر».
وكما فعلنا مع شيخة البلوشي، وجهنا السؤال نفسه إلى شيخة العزيزي، عن الطفلة الإماراتية التي تسأل: «لماذا أحافظ على التراث؟».. فتجيب: «إن جذورنا القوية تمنحنا الثبات. تماماً كما نبتكر التصميم بعناية في المعرض؛ ليبرز تراثنا الأصيل. وبينما تحمين تراثك تبقى هويتك شامخة، مهما كبرتِ وتطورتِ. فالتراث يحفظك، كما تحفظ الهندسة قطعة ما؛ لتروي قصتها للأجيال».
-
إماراتيات يحرسن الإرث والتاريخ في متحف العين
نور المرزوقي:
ننقّب عن الأثر ونصون ذاكرة المكان
في الهواء الطلق قرب الأفلاج القديمة، تعود نور المرزوقي، خبيرة الأفلاج والآثار، لتأمل تفاصيل المياه والحجر، فالتاريخ يبدأ من الأرض نفسها. وتسرد لـ«زهرة الخليج» رحلتها التي بدأت بدافع الفضول، ساعية إلى الإجابة عن سؤال، مفاده: «كيف عاش الإنسان على هذه الأرض قبل آلاف السنين؟»؛ لتتحول علاقتها بالمواقع الأثرية إلى رابط شخصي، لا سيما الأفلاج التي تمثل ذاكرة حية للجميع.
وتسترجع المرزوقي لحظة اكتشاف آثار تحت أساسات المتحف، قائلةً: «كان اكتشاف مدافن وآثار تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، لم تُعرض للجمهور من قَبْلُ، لحظةً محفورةً في ذاكرتي، إذ تخبرنا بحياة نابضة قبل آلاف السنين».. وتؤكد: «المرأة، اليوم، شريك أساسي في البحث الأثري، لأنها تضيف بُعداً إنسانياً وثقافياً، وتثبت أنها قادرة على حفر الصخر، دون أن تفقد رقتها».
ورداً على السؤال ذاته، من الطفلة الإماراتية ذاتها.. تجيب المرزوقي: «هذا المكان ليس مجرد أثر، بل مرآة لحياتنا وجذورنا. فالأفلاج والآثار تحكي قصة أجدادنا، وتعلّمنا الصبر والقوة. وعندما نحافظ على التراث، نربط حاضرنا بماضينا، ونمنح المستقبل أدوات المعرفة والفخر بالهوية، تماماً كما يفعل الباحث الأثري حين ينقّب عن كل أثر بدقة، وحرص».
-
إماراتيات يحرسن الإرث والتاريخ في متحف العين
ميثاء الظاهري:
نحفظ التفاصيل لتبقى الحكاية كاملةً
وسط قاعات متحف العين، تتنقّل ميثاء الظاهري، القيّمة الفنية، بعينٍ مدرَّبة على التفاصيل الصغيرة، قبل الكبيرة. فهي لا تنظر إلى المقتنيات بوصفها قطعاً صامتة، بل كشواهد كاملة لحياة أجدادنا، لكلٍّ منها سياقها، وذكرياتها، ومسارها في الحكاية.. وتوضح: «كلَّ صباح أسير بين المعروضات، مدركة أن دوري يتجاوز الترتيب، والتنظيم. فأنا مسؤولة عن حماية تفاصيل حياة الأجداد، وحلقة الوصل بين ما عاشوه، وما يراه الزائر اليوم. إن عملي أشبه ببناء سردٍ متكامل، تُكمل فيه كل قطعة الأخرى».
وتشرح الظاهري: «أحرص على أن يكون العرض متسلسلاً، وواضحاً؛ ليمنح الزائر القدرة على فهم القصة دون تعقيد. وعندما توضع القطعة في سياقها الصحيح، تصبح أكثر قدرة على السرد والرواية، وتمنح التجربة معنى أعمق».
وعندما وجهنا إلى ميثاء، كما زميلاتها، السؤال ذاته، من الطفلة الإماراتية: «لماذا أحافظ على التراث؟».. أجابت مبتسمة: «إن كل قطعة، هنا، تحمل جزءاً من حياتنا؛ لذلك يُعُّد الحفاظ عليها صَوْناً لقصص من سبقونا. تماماً كما نحيي كل قطعة في المعرض لتتكامل في السرد، تحفظين أنتِ التراث؛ لتبقى هويتك حية، وراسخة. فصَوْن التراث رسالة أجدادكِ إليكِ؛ لتكملي الحكاية».