الخبز ليس مجرد صنف أساسي على المائدة، بل ذاكرةٌ يومية، وعادة تتكرر بصمت، وقد يكون - من حيث لا ننتبه - مفتاحاً لصحة أفضل، أو عبئاً ثقيلاً على الجسد. ومع تسارع الإيقاع، وظهور المخبوزات السريعة.. تراجع «التخمير البطيء»، الذي حافظت عليه الجدات كـ«سر» للطعم المتميز، والهضم السهل. هنا بدأت حكاية الإماراتية بخيتة العامري، قبل ست سنوات، حين قررت إعادة النظر في أبسط ما نأكله (الخبز). لم يكن القرار بحثاً عن وصفة جديدة، بل كان إحساساً داخلياً بأن ما يدخل الجسد يجب أن يكون ألطف عليه. وقد فتح تغيير بسيط في نوع «الخميرة» باباً لاكتشافات صحية، ومشروع مهني، وإحياء لطرق الأجداد، مدعوماً بتفسير علمي لحصة الراشدي، أخصائية التغذية.. في موضوعنا هذا، نقترب من الخبز؛ بوصفه تجربة إنسانية، وخياراً صحياً، وجسراً بين التراث والعلم، حيث يلتقي المطبخ الإماراتي بالتغذية الصحية؛ ليصبح «التخمير البطيء» أسلوب حياة وليس مجرد تقنية طهي.
-
«الخميرة» الطبيعية.. أسرار وفوائد جسدية جمة
تجربة شخصية.. واكتشاف
تروي بخيتة العامري، المتخصصة في مخبوزات «الخميرة الطبيعية»، أن بدايتها لم تكن بدافع البحث عن وصفات مختلفة، بل كانت نابعةً من إحساس داخلي بالحاجة إلى خبز لا يُتعب الجسد.. تقول: «منذ بدأت استخدام (الخميرة الطبيعية)؛ شعرت براحة جسدية ونفسية، ومع التعمق في البحث اكتشفت فوائدها الكبيرة، ومنها: سهولة الهضم، وتقليل السكريات والنشويات، والطعم والرائحة المميزان»، وتضيف العامري: «لم تكن التجربة الأولى سوى خطوة على طريق طويل للتعلم. ومع الوقت، وفهم آليات (التخمير البطيء)، تحسنت جودة الخبز أكثر فأكثر، وتكرس لديَّ شعور بالاطمئنان؛ لأنني أستخدم طريقة قديمة، اعتمدها الأجداد؛ للحصول على مخبوزات طبيعية، خالية من الإضافات».
العلم.. وشعور الجسد
ما تحدثت عنه بخيتة العامري من تحسن في الهضم، وشعور بالخفة، تؤكده أخصائية التغذية، حصة الراشدي، من منظور علمي؛ فتوضح أن «الخميرة الطبيعية» تعتمد على «التخمير البطيء»، الذي يجمع بين البكتيريا النافعة، والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء والدقيق، بعكس «الخميرة المصنعة»، التي تُستخدم لتسريع العملية على حساب الجودة الغذائية. وتشير إلى أن هذا التخمير الطويل «يكسر السكريات والبروتينات المعقدة، فيسهل امتصاصها، ويقلل الانتفاخ، كما يخفض المؤشر الجلايسيمي للمخبوزات، ما يساعد على تنظيم مستوى السكر في الدم، ويجعلها خياراً أفضل لمرضى السكري».
إحياء التراث
اللافت في تجربة بخيتة العامري أنها لم تتجه إلى وصفات غريبة عن المطبخ المحلي، بل أعادت قراءة الموروث الإماراتي بـ«عين صحية»؛ فدمجت «الخميرة الطبيعية» مع مخبوزات تقليدية، مثل: الرقاق، والمرقوقة، والقرص، مؤكدة أن مطبخنا غني، ولا يقل قيمةً وثراءً عن المخبوزات العالمية.. وعن ذلك تقول: «لم أبتكر شيئاً جديداً، بل أعدت إحياء طريقة الأجداد. إن إدخال (الخميرة الطبيعية) إلى مخبوزاتنا زادها توازناً وخفة، وأثبت أن التراث قادر على مواكبة أسلوب الحياة الصحي».
-
«الخميرة» الطبيعية.. أسرار وفوائد جسدية جمة
شغف.. ومسار مهني
تحول الشغف إلى مسار مهني؛ عندما حصلت بخيتة على رخصة «تاجر أبوظبي»، وبدأت تقديم مخبوزات وحلويات، عالمية وشعبية، جميعها تعتمد على «التخمير الطبيعي البطيء». لم يكن المشروع مجرد بيع منتجات، بل كان منصة لنشر الوعي، من خلال الدورات التدريبية، والإجابة عن أسئلة المهتمين، وتشجيعهم على تبني هذا الأسلوب في بيوتهم. ومع تزايد الاهتمام بـ«الخميرة الطبيعية»، في دول الخليج والعالم العربي، لاحظت العامري إقبالاً متنامياً من أشخاص يبحثون عن خبز، يساعدهم في المحافظة على الوزن، ويمنحهم شعوراً بالراحة بعد الأكل.
فوائد عدة.. وأضرار قليلة
توضح أخصائية التغذية، حصة الراشدي، أن فوائد «الخميرة الطبيعية» تمتد إلى فئات عدة، مثل: كبار السن، ومرضى السكري، ومن يعانون الانتفاخ أو صعوبة هضم الخبز. كما تساهم في تحسين امتصاص المعادن، لدى من يعانون «فقر الدم»؛ بسبب تقليلها حمض «الفيتيك» الموجود في الحبوب. وتنبه - في الوقت نفسه - إلى ضرورة التمييز، مؤكدة أن هذه المخبوزات تناسب من لديهم حساسية بسيطة من «الغلوتين»، لكنها غير مناسبة لمرضى «السيلياك»؛ لاحتوائها على «الغلوتين»، وإن كان أسهل هضماً.
تحكم دون حرمان
الانتقال إلى مخبوزات صحية لا يعني التضحية بالطعم؛ فتؤكد حصة الراشدي أن استخدام «الخميرة الطبيعية»، مع دقيق القمح الكامل أو الشوفان، وتقليل السكر والدهون المضافة، يوفران خبزاً غنياً بالألياف، ومُشْبِعاً، ولذيذاً، كما يساعد على التحكم في الوزن.. دون قسوة أو حرمان!
-
«الخميرة» الطبيعية.. أسرار وفوائد جسدية جمة
أخطاء شائعة
تشير أخصائية التغذية إلى أن بعض الممارسات قد تُفقد المخبوزات قيمتها الغذائية، ومنها: الإفراط في العجن، والخَبز على حرارة مرتفعة جداً، وعدم منح العجين وقتاً كافياً للتخمير، إضافة إلى الاعتماد على الطحين الأبيض المكرر.
وصفة صحية
بمزيج بسيط يجمع بين الطعم والفائدة، ويعتمد على الشوفان، ودقيق القمح الكامل، والزبادي، مع «تخمير بطيء»؛ يصبح للخبز قوام طري، وطعم متوازن؛ ليكون خياراً مثالياً للإفطار، أو وجبةً خفيفةً صحيةً.
اختيارات ذكية
بين تجربة بخيتة العامري، التي بدأت من مطبخ البيت وانتهت بمشروع واعٍ، ورؤية حصة الراشدي العلمية، تتأكد فكرة واحدة، هي «الصحة لا تبدأ من الأنظمة القاسية، بل من اختيارات يومية ذكية». وربما يكون أبسطها رغيف خبز، تُرك ليتخمّر على مَهَل؛ فصار ألطف على الجسد، وأقرب إلى ما اعتدناه بالفطرة.