في شهر رمضان المبارك، تبرز قيمة الصمود الروحي لدى كبارنا، الذين يصرون على الصيام، رغم وَهَن الجسد، وتحديات العمر. غير أن هذا الإصرار، الجميل، يحتاج إلى «بوصلة طبية»، تضمن أن تظل هذه العبادة رحلة آمنة، وليست مجازفة صحية. ولتسليط الضوء على المعايير الدقيقة لصيام كبار السن.. التقينا الدكتور عمر خدام، استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني بمدينة الشيخ شخبوط الطبية بأبوظبي؛ ليضع لنا خارطة طريق طبية، تجمع بين الحفاظ على الشعائر، وصَوْن الأمانة الجسدية.

  • صيام الكبار صمود روحي.. رغم وَهَن الجسد

يستهل الدكتور عمر خدام حديثه، بالتأكيد على أن الصيام عبادة جليلة، لكنَّ للجسد حقوقاً، يجب ألا تُهمل. وفي ما يخص العلامات التحذيرية، التي تستوجب التدخل الفوري، يوضح قائلاً: «هناك إشارات إنذار، لا يجوز تجاهلها مطلقاً، مثل: الإغماء، أو الدوار الشديد، أو ألم الصدر، أو ضيق التنفس. كما أن اضطراب الوعي أو تذبذب مستويات السكر إلى حدود خطيرة، إضافة إلى قلة التبول الملحوظة، أو القيء المستمر.. أعراض تستوجب كسر الصيام فوراً، وطلب المشورة الطبية؛ فهي ليست مجرد تعب عابر، بل صرخة استغاثة من الجسد».

ورداً على سؤال حول كيفية التمييز بين الإرهاق الطبيعي، وبوادر النوبات الصحية لدى مرضى السكري والضغط.. يشير استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني إلى أن الإرهاق المعتاد يكون تدريجياً، ويتحسن بالراحة. أما النوبات الخطرة، فتأتي مباغتة، وبحدّة غير مألوفة، كالتعرق البارد، أو الرجفة، أو الضعف المفاجئ في أحد الأطراف، مؤكداً على «القاعدة الذهبية»: أي عارض جديد، أو متفاقم، يعد خطراً حتى يثبت العكس.

الرقابة الذاتية.. وكفاءة الكلى

وعن المتابعة الطبية، يقول الدكتور خدام: إن المراقبة اليومية (المنزلية، أو عن بُعد)، انتقلت من كونها ترفاً؛ لتصبح ضرورة ملحة، خاصة لمرضى السكري المعتمدين على الإنسولين، ومرضى قصور القلب، والكلى. وفي هذا السياق، ينصح، بشدة، باستخدام أجهزة المراقبة المستمرة للسكر (CGM)، معتبراً أنها أداة حيوية، تمنح إنذاراً مبكراً؛ لاتخاذ قرار «الإفطار الطبي»، في الوقت المناسب. أما في ما يتعلق بصحة الكلى، فيحذر استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني من أن كفاءتها تقل مع تقدم العمر، ما يجعلها أقل قدرة على التكيف مع نقص السوائل. وعن المعايير المخبرية، التي تحتم التوقف عن الصيام.. يقول: «الصيام الطويل قد يؤدي إلى ارتفاع في الكرياتينين، أو انخفاض في معدل الترشيح الكبيبي، وأحياناً ارتفاع البوتاسيوم. وإذا سجل الكرياتينين ارتفاعاً يتجاوز الـ30% عن مستواه الأساسي، أو حدث اضطراب في مستويات البوتاسيوم، فإن التوقف عن الصيام يصبح حتمياً؛ لحماية الكلى من الفشل الحاد».

جودة التغذية.. لا كميتها

في حديثه عن الإفطار المناسب للمسن.. يشدد الدكتور عمر خدام على أن الجودة تغني عن الكمية. وبدلاً من الإفطار المفاجئ بوجبات دسمة ترهق الشرايين، وتزيد خطر الجلطات، ينصح بنمط متدرج، يشمل البروتين العالي الجودة، والدهون الصحية، والخضروات الملونة. وعن سبل الحفاظ على توازن السوائل، بعيداً عن شرب كميات هائلة من الماء دفعة واحدة، يقترح استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني طرقاً مبتكرة، تشمل: «توزيع شرب الماء بانتظام، والتركيز على الشوربات والفواكه الغنية بالسوائل، مع تجنب المدرات كالكافيين». كما يلفت الانتباه إلى «فقدان حس العطش» لدى المسنين، داعياً إلى مراقبة علامات جفاف اللسان، وانخفاض الضغط عند الوقوف، كعلامات استباقية.

ويتطرق الدكتور عمر خدام إلى مخاطر فقدان الكتلة العضلية، موضحاً أن الموازنة تتطلب تخطيطاً ذكياً، إذ يجب توزيع البروتين بين الفطور والسحور، وممارسة تمارين مقاومة خفيفة. أما في ما يخص الأدوية ذات المؤشر العلاجي الضيق، مثل: أدوية السيولة، والقلب، فيحذر من أن تغيير المواعيد دون استشارة طبية، قد يؤدي إلى تقلبات خطرة في تركيز الدواء بالدم، مشدداً على أهمية الثبات في النمط الغذائي؛ لتجنب التعارض مع الأدوية. 

«إكسير» الحياة المتجدد

وفي ما يخص التأثيرات الذهنية للصيام، يوضح الدكتور عمر خدام أن الجفاف، ونقص الجلوكوز، قد يسببان حالات ارتباك ذهني مؤقتة، أو تغيرات مفاجئة في السلوك، وهي إشارات تستوجب تقييماً سريعاً. وعن تنظيم الساعة البيولوجية، ينصح كبار السن باعتماد «القيلولة النهارية القصيرة»، وتثبيت موعد للنوم بعد التراويح؛ لضمان الراحة العميقة. وفي ختام حديثه، وجه الدكتور عمر خدام، استشاري ونائب رئيس قسم الطب الباطني بمدينة الشيخ شخبوط الطبية بأبوظبي، رسالة دافئة إلى العائلات التي ترعى كبار السن، مؤكداً أن رمضان شهر رحمة، وليس اختباراً للقدرة الجسدية. ويؤكد: «دعم العائلة، ومراقبتها اللطيفة والواعية لصحة كبارها، يجعلان هذا الشهر تجربة روحانية مبهجة، وآمنة في الوقت نفسه».

  • صيام الكبار صمود روحي.. رغم وَهَن الجسد

5 أسئلة.. وأجوبة 

1. ما التبعات الصحية للإفطار المفاجئ، والدسم، على قلب المسن، وشرايينه؟   
الصدمة الغذائية بالدهون، والسكريات، تسبب قفزات حادة في الضغط، والسكر؛ ما يجهد الشرايين، ويرفع احتمالية الإصابة بالجلطات.

2. كيف يؤثر تغيير مواعيد الأدوية، بين الإفطار والسحور، في استقرار حالة المسن؟    
الأدوية الدقيقة (كأدوية القلب، والصرع، والسيولة) تتطلب ثباتاً في التوقيت؛ وأي تغيير عشوائي يسبب تقلبات دمويّة خطرة. لذا، يظل التخطيط المسبق مع الطبيب «خيار الأمان» الوحيد.

3. كيف يوازن المسن بين الصيام، والحفاظ على الكتلة العضلية؛ لتجنب الوَهَن الحركي، بعد رمضان؟     
الحفاظ على الكتلة العضلية يتطلب تخطيطاً غذائياً ذكياً. ويحتاج المسن إلى كمية كافية من البروتين العالي الجودة، تكون موزعة بين الإفطار والسحور، مع ممارسة تمارين مقاومة خفيفة مرات عدة أسبوعياً.

4. متى تتحول الدوخة، أو التشنجات العضلية، إلى حالة طبية طارئة للمسن؟   
إذا رافق الدوار خفقان، أو تشنجات مؤلمة، أو اضطراب وعي؛ فهذا ينذر باختلال خطير في الأملاح (الصوديوم، والبوتاسيوم)، يستدعي تدخلاً طبياً فورياً.

5. أجهزة (CGM) لمراقبة السكر.. متى تصبح ضرورة للمسن، وما «أرقام الإنذار» لكسر الصيام؟

هذه الأجهزة «صمام أمان»؛ لتوفيرها إنذاراً مبكراً؛ حيث يجب الإفطار فوراً؛ إذا انخفض السكر عن 70 مغم/ديسيلتر، أو ارتفع لمستويات خطيرة؛لضمان التدخل الطبي في الوقت المناسب.