في شهر رمضان المبارك، يختلف إيقاع الحياة؛ فتتبدّل ساعات النوم، وتتغير مواعيد الطعام، وتتكثف اللقاءات العائلية، وتعمر القلوب بالروحانيات. وفي المقابل، يحمل الشهر المبارك تحولات جسدية ونفسية متزامنة، تنعكس - بشكل خاص - على المرأة، التي تجد نفسها مُطالبة بأن تمنح أكثر، بينما طاقتها أقل!.. ففي موسم يُمجد العطاء، قد تنسى المرأة أن عنايتها بنفسها ليست أنانية، بل ضرورة؛ فكما يحتاج الجسد إلى طاقة ليعمل، يحتاج القلب إلى دعم ليمنح. فرمضان ليس اختباراً للكمال، بل مساحة للرحمة.. والرحمة تبدأ من الذات!.. ومع تعدد الأدوار بين الأمومة والعمل والمسؤوليات المنزلية، تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن للمرأة أن تعيش معنى العطاء، دون أن تُرهق نفسها؟.. وكيف تحافظ على توازنها النفسي؟.. ضمن هذا السياق، نسلّط الضوء على الانعكاسات النفسية لرمضان على المرأة، من خلال قراءة تحليلية، تستند إلى رؤية الأخصائية النفسية شيخة الهُميري، لدى «عيادات سيج»؛ لتقدم منظوراً يجمع بين الفهم العلمي، والوعي الإنساني بواقع النساء، في هذا الموسم.

  • الصحة النفسية للمرأة في رمضان بين العطاء والإنهاك

تغيّر الإيقاع 

توضح الأخصائية النفسية، شيخة الهُميري، أن رمضان يُحدث تحوّلات متزامنة في جوانب أساسية عدة، من حياة المرأة، منها: النوم، والطعام، والطاقة، والروتين اليومي. هذه التغيرات - وإن كانت مؤقتة - تؤثر مباشرة في المزاج، والصبر، والقدرة على التحمل.. تقول الهُميري: «الصحة النفسية لا يمكن فصلها عن الصحة الجسدية؛ فالنوم والطعام يمثلان وقود الجسد والعقل، وعندما يختلان؛ تنخفض الطاقة سريعاً. ومع الإرهاق الجسدي، تصبح المشاعر أثقل، والصبر أقل، وتبدو المهام اليومية أكثر صعوبة، مما هي عليه في الظروف العادية».

أدوار عدة

تعيش المرأة في رمضان أدواراً متزامنة؛ فهي: أم، وزوجة، وموظفة.. إلا أن ما يتغير في هذا الشهر ليس عدد المهام فقط، وإنما توقيتها وكثافتها.. فإلى جانب العمل ورعاية الأسرة، يضاف تحضير الإفطار يومياً، الذي - غالباً - يُعامل بوصفه «أهم وجبة في اليوم»؛ فيضيف ضغطاً آخر؛ ليكون مثالياً.. وتلفت الهُميري إلى أن بعض النساء يعتقدن، تدريجياً، أن الإفطار يجب أن يكون أكبر وأجمل كل يوم، وأن إعداد طبق جديد، يومياً، معيار النجاح في رمضان، حتى إن كنَّ منهكات، وهنا يتحول العطاء من فعلِ محبٍّ إلى عبء نفسي غير مُعْلن.

توقعات عالية

من أبرز الضغوط النفسية، التي تلاحظها الأخصائية النفسية، خلال رمضان، الشعور المتزايد بضرورة بذل المزيد من الجهد في كل شيء، ومنها: الجوانب الروحانية، والحضور الاجتماعي، والتنظيم المثالي، وتعزز ذلك المقارنة المستمرة بما تراه المرأة حولها، في محيطها، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وتوضح الهُميري أن كثيرات يضعن لأنفسهن توقعات أكبر مما يحتملن، ليس ضعفاً، بل بدافع الحرص، والمسؤولية. فالتنشئة الاجتماعية، غالباً، تربط قيمة المرأة بقدرتها على العطاء، وإدارة التفاصيل.. ومع قدسية الشهر الكريم، يتضاعف الإحساس بالواجب!

عطاء صحي

يرتبط رمضان في الوعي الجمعي بالعطاء، إلا أن السؤال الأهم: ما شعور المرأة بعد العطاء؟.. تؤكد شيخة الهُميري أن العطاء الصحي، هو الذي يكون اختيارياً، ونابعاً من القلب، ومُقَابَلاً بالتقدير، والاحترام. أما عندما يتحول العطاء إلى التزام ثقيل غير مرئي، أو غير مُقَدَّر؛ فإنه يستنزف الطاقة النفسية. وتشير إلى أن بعض الأمهات يربطن سعادتهن، حصرياً، بسعادة الآخرين، نتيجة تربية طويلة على أن «الأم الجيدة» تضع نفسها في المرتبة الأخيرة. وعلى المدى البعيد، يؤدي ذلك إلى فقدان التوازن، وربما فقدان الإحساس بالذات، حتى مع وجود حب عميق للأسرة. فالعطاء يمكن أن يكون مصدراً حقيقياً للسعادة، لكن عندما تشعر الأم بالوحدة، أو غياب الدعم؛ يتحول - تدريجياً - إلى واجب مرهق.

  • الصحة النفسية للمرأة في رمضان بين العطاء والإنهاك

إنتاجية.. وقبول

بالنسبة للمرأة العاملة، يكون التحدي أكثر تعقيداً؛ فالتوفيق بين العمل، ومتطلبات المنزل، خلال شهر الصيام، قد يعطي شعوراً دائماً بالتقصير. وتنصح الأخصائية النفسية بقبول أن رمضان يتطلب وتيرة مختلفة.. فتوضح الهُميري: «التوازن لا يعني إتقان كل شيء بالقدر نفسه، بل إعطاء الأولوية لما هو مهم فعلاً، والتخلي عن الضغوط غير الضرورية. كما أن التقليل من الجهد لا يعني الفشل، بل يعني التكيّف مع واقع جسدي ونفسي مختلف». وتضيف أن إدارة الوقت يجب أن ترتبط بالطاقة لا بالإنتاجية فقط؛ فالتخطيط الواقعي، وتقليل المهام، يمنحان شعوراً أكبر بالتحكم، بدلاً من الشعور بالإرهاق.

حدود.. بلطف

تؤكد الأخصائية النفسية أهمية وضع حدود نفسية وعائلية، خلال رمضان، لكن بلطف؛ فالتواصل الصادق، وتحديد التوقعات الممكنة، ومنح النفس الإذن بقول: (لا)، دون شعور مفرط بالذنب.. كلها خطوات تحمي التوازن الداخلي. وتشير الهُميري إلى أن الدعم الأسري يلعب دوراً حاسماً؛ فمشاركة المسؤوليات المنزلية، وتخفيف التوقعات، والاعتراف بالجهد المبذول، يمكن أن تحول تجربة رمضان من عبء ثقيل، إلى تجربة مشتركة أكثر دفئاً.

استراتيجيات بسيطة.. فارقة

الصحة النفسية تبدأ من الجسد، ولا يمكن تجاهل احتياجاته دون ثمن.. وللحفاظ على الصحة النفسية، خلال رمضان، تنصح شيخة الهُميري بما يلي:

• إعطاء الأولوية للنوم، قدر الإمكان.

• تغذية الجسد بشكل متوازن.

• تقليل الالتزامات غير الضرورية.

• أخذ فترات راحة ذهنية قصيرة.

• السماح بالتواصل الصادق مع المشاعر.

  • الصحة النفسية للمرأة في رمضان بين العطاء والإنهاك

بعد رمضان!

بعد انتهاء الشهر الفضيل، قد تشعر بعض النساء بإرهاق نفسي، أو فراغ داخلي. وتفسر الأخصائية النفسية شيخة الهُميري ذلك بتراكم قلة النوم، واضطراب العادات الغذائية، وربما الشعور بالذنب؛ لعدم تحقيق أهداف روحانية معينة. وتنصح بأن يكون الانتقال بعد العيد تدريجياً، مع منح الجسد والعقل فرصة استعادة التوازن. كما يمكن الحفاظ على عادة، أو اثنتين، من العادات التي أحبّتها المرأة في رمضان، بدلاً من الانتقال المفاجئ إلى نمط مختلف تماماً.. فتقول الهُميري: «الاستدامة أهم من الكمال، والرفاه النفسي لا يحتاج إلى تغيرات جذرية، بل إلى وعي مستمر».