في زمن تتدفق فيه الأخبار بلا توقف عبر الشاشات والهواتف الذكية، لم يعد التعرض المستمر للمعلومات أمراً حيادياً بالنسبة للصحة النفسية. فمع تسارع الأحداث وتزايد التنبيهات، يجد كثيرون أنفسهم في حالة يقظة دائمة، كأن العقل مطالب بالبقاء متأهباً طوال الوقت. هنا، تظهر حالة «إنهاك الأخبار» (News Fatigue)، وتعني الإرهاق الذهني والنفسي الناتجين عن التعرض المفرط، والمتواصل للأخبار والمعلومات، خاصة تلك التي تحمل طابعاً سلبياً أو صادماً.

هذا التدفق المستمر قد يؤدي إلى القلق، وتشتت الانتباه، واضطراب النوم، وحتى الشعور بالعجز أمام العالم. لذلك، يصبح من الضروري تطوير علاقة صحية مع الأخبار: أن نبقى مطلعين، دون أن نفقد توازننا الداخلي. في ما يلي خمس استراتيجيات عملية، تساعد في استعادة السيطرة على استهلاكك الرقمي، وحماية صحتك النفسية.

  • 5 استراتيجيات ذكية.. لمواجهة «إنهاك الأخبار»

1. ضعي حدوداً واضحة.. وتوقفي عن «التمرير اللانهائي»:

من أكثر العادات الرقمية استنزافاً للعقل، ما يعرف بالتمرير اللانهائي، أو التصفح العشوائي المستمر. فعندما ننتقل من خبر إلى آخر دون توقف، يبقى الدماغ في حالة استنفار دائم.
والحل يكمن في تحديد أوقات معينة لمتابعة الأخبار خلال اليوم، بدلاً من استهلاكها بشكل متواصل. هذا التنظيم يمنح العقل فرصة للراحة، ويحد من تأثير التنبيهات المتكررة، التي تحفّز القلق، والتوتر.

2. المساء وقت للهدوء.. لا لملاحقة المستجدات:

الاطلاع المكثف على الأخبار، قبل النوم مباشرة، قد يُبقي الدماغ في حالة نشاط مفرط، خصوصاً إذا كانت الأخبار مشحونة بالمشاعر، أو الصدمات. ومن منظور نفسي، يحتاج العقل قبل النوم إلى مرحلة انتقالية من الهدوء، تساعده على معالجة أحداث اليوم، والاستعداد للراحة. لذلك، يُنصح بالتوقف عن متابعة الأخبار في الساعات الأخيرة من المساء، واستبدالها بأنشطة مهدئة، مثل: القراءة الخفيفة، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة.

3. خففي التعرض لمنصات التواصل الاجتماعي:

التحقق المتكرر من المنصات الاجتماعية، وتحديث الصفحات باستمرار، قد يعززان مشاعر القلق، ويوفران إحساساً دائماً بأن هناك شيئاً جديداً تجب متابعته. والحل ليس بالضرورة الانقطاع التام، بل أخذ فترات راحة منتظمة من «السوشيال ميديا». هذه المسافة القصيرة تساعد الدماغ على استعادة توازنه، وتمنحك فرصة للتواصل مع الواقع، بعيداً عن الضجيج الرقمي.

  • 5 استراتيجيات ذكية.. لمواجهة «إنهاك الأخبار»

4. عودي إلى أنشطة تربطك بالواقع:

التقليل من استخدام الشاشات خطوة مهمة، لكن الأهم هو استبدال هذا الوقت بأنشطة تعيدك إلى الحاضر، وتمنحك إحساساً بالتركيز والاستقرار.
فالقراءة، أو المشي في الطبيعة، أو الطهي، أو ممارسة هواية يدوية، كلها أنشطة تساعد على إعادة توجيه الانتباه من العالم الافتراضي إلى التجربة الحسية الواقعية. هذه الأنشطة تُعرف في علم النفس بأنها وسائل فعالة لاستعادة الصفاء الذهني، وتقليل التوتر.

5. اختاري مصادر محدودة.. وموثوقة:

متابعة عدد كبير من المنصات الإخبارية يؤدي، غالباً، إلى تضخم المعلومات، والشعور بما يسمى «التخمة المعرفية». فالعقل البشري غير مهيأ لمعالجة هذا الكم الهائل من الأخبار المتناقضة، والمتسارعة.
لذلك، من الأفضل اختيار عدد محدود من المصادر الموثوقة والمهنية، التي تقدم الأخبار بوضوح وموضوعية. هذا الأسلوب يتيح لك البقاء مطلعة على ما يحدث، دون أن تغرقي في التفاصيل المرهقة، أو الأخبار المثيرة للقلق.

إن طريقة استهلاكك للمعلومات لا تقل أهمية عن المعلومات نفسها. فالوعي بحدودك النفسية، وإدارة علاقتك بالأخبار، من مفاتيح الحفاظ على التوازن في عصر السرعة الرقمية.
وتذكري أن العالم سيستمر في الدوران؛ حتى لو ابتعدتِ عن الشاشة لبعض الوقت، لكن صحتك النفسية قد تتأثر إن لم تمنحي نفسك هذه المساحة من الراحة.