في الجلسات النسائية، في العمل، وحتى داخل الأسرة، قد تصادفين امرأة لا يلبث الحوار معها أن يعود إلى قصتها الشخصية: تجربتها، أو تعبها، أو إنجازها، أو معركتها الخاصة. وأحيانًا، يثير ذلك ضيقًا خفيًا، وأحيانًا شعورًا بأن صوتكِ لم يُسمَع كما يجب.

لكن قبل أن تتسرعي في الحكم، من المهم أن تفهمي الخلفية النفسية لهذا السلوك، وكيف تتعاملين معه بوعي يحفظ كرامتك، ويصون العلاقة.

المرأة، بطبيعتها، تميل إلى التعبير والمشاركة، لكن الإفراط في إعادة كل موضوع إلى الذات، قد يكون مؤشرًا إلى احتياج عاطفي. وربما تشعر بعدم التقدير، أو تعيش ضغطًا نفسيًا لا تجد له متنفسًا، فتصبح كل محادثة فرصة؛ لتفريغ ما في الداخل.

  • لماذا لا يتوقف البعض عن الحديث عن أنفسهم؟

المفارقة أن هذا السلوك قد يحقق العكس تمامًا، فبدل أن يجلب القرب، قد يصنع مسافة، لأن الطرف الآخر يشعر بأن دوره يقتصر على الاستماع فقط، دون مساحة متكافئة للتعبير.

كيف تحمين نفسكِ دون قسوة؟

إذا كنتِ تتعاملين مع صديقة، أو قريبة، تميل إلى احتكار الحديث، فالتجاهل أو الانسحاب الصامت ليسا الحل الأمثل دائمًا. يمكنكِ اعتماد أسلوب ناعم، لكنه واضح: ابدئي بالتعاطف، ثم أعيدي التوازن إلى مجرى الحديث. بهذه الطريقة، أنتِ لا تقللين من شأنها، بل تضعين إطارًا للحوار، يُشعرها بأن المشاركة طريق ذات اتجاهين.

وفي العلاقات القريبة جدًا، كالأخت أو الصديقة المقرّبة، قد يكون الحوار الصريح ضروريًا. فالصراحة الهادئة تبني علاقة أعمق، شرط أن تُقال بلا اتهام، أو تهكّم.

في الزواج.. المسألة أكثر حساسية:

عندما يكون هذا النمط حاضرًا في العلاقة الزوجية، قد يتخذ أبعادًا أعمق. فالزوجة التي تتحدث باستمرار عن نفسها، قد تكون مثقلة بمسؤوليات غير مرئية، أو تشعر بأن احتياجاتها لا تُرى كما يجب. وفي المقابل، قد يشعر الشريك بالتعب من غياب المساحة المشتركة.

الحل، هنا، ليس الصمت أو المواجهة الحادة، بل إعادة تنظيم الحوار داخل البيت، كتخصيص وقت يومي يتبادل فيه الطرفان الحديث بإنصات حقيقي، بحيث لا يطغى صوت على آخر.

اسألي نفسكِ: هل أفعل ذلك أحيانًا؟

الصدق مع الذات خطوة ناضجة. فهل سبق أن قاطعتِ صديقة؛ لتروي تجربة مشابهة، قبل أن تُكمل حديثها؟.. هل تشعرين أحيانًا بأن قصتكِ أهم في اللحظة؟.. إن كان الجواب (نعم)، فالأمر ليس خطأ أخلاقيًا، بل فرصة لتطوير مهاراتكِ في الإصغاء. جرّبي أن تنتظري انتهاء المتحدثة تمامًا قبل الرد. أو أن تلخّصي ما قالته لتظهري أنكِ فهمتِها. أو أن تطرحي سؤالًا يعمّق حديثها بدل تحويله فورًا إلى تجربتكِ.

تأثير الحديث المفرط عن النفس:

للتركيز المبالغ فيه على الذات آثار متعددة، على الشخص نفسه أو من حوله:

على العلاقات: قد يشعر الآخرون بعدم التقدير أو التجاهل أو الضيق، ما يؤدي إلى توتر في الصداقات أو الروابط الأسرية أو علاقات العمل.

على صورة الذات: قد يعزز هذا السلوك الحاجة المستمرة إلى التحقق من القيمة الذاتية، فيمنح دفعة مؤقتة للثقة بالنفس، لكنه قد يعيق في الوقت نفسه الوعي الحقيقي بالذات، والنمو الشخصي.

على الديناميكيات الاجتماعية: قد يُنظر إلى من يحتكر الحديث على أنه متمركز حول ذاته، أو غير واثق من نفسه، ما يؤثر في سمعته الاجتماعية، وفرص بناء علاقات عميقة.

على التطور الشخصي: الانشغال المستمر بالذات قد يحدّ من الاطلاع على وجهات نظر متنوعة، ويقلل مستوى التعاطف والفهم المتبادل. وتحقيق التوازن بين التعبير عن الذات، والإصغاء الفعّال، عنصر أساسي في التواصل الصحي، وبناء العلاقات المتينة.

  • لماذا لا يتوقف البعض عن الحديث عن أنفسهم؟

كيف نتعامل مع هذا السلوك؟

سواء كنتِ تتعاملين مع شخص يتحدث عن نفسه بإفراط، أو لاحظتِ هذا النمط في سلوككِ أنتِ، فإليكِ بعض الإرشادات العملية:

وضع حدود واضحة: يمكنكِ بلطف توجيه الحديث نحو تبادل متكافئ. وإذا لاحظتِ أن الطرف الآخر يحتكر الحوار، فأعيدي توجيهه بسؤال أو بمشاركة تجربتكِ الخاصة.

ممارسة الإصغاء الفعّال: أظهري اهتمامًا حقيقيًا بحديث الآخرين. وأحيانًا، يبالغ البعض في الحديث عن أنفسهم؛ لأنهم لا يشعرون بأنهم مسموعون.

استخدام الإشارات غير اللفظية: الإيماء بالرأس، والحفاظ على التواصل البصري، والتعليقات القصيرة المشجعة، كلها تساعد على حوار متوازن.

التعبير بلطف عن شعوركِ: إذا كان السياق مناسبًا، فيمكنكِ الإشارة بهدوء إلى أن الحوار يبدو أحادي الجانب، مع دعوته للاستماع إلى وجهة نظركِ أيضًا.

مراجعة عاداتكِ الشخصية: انتبهي إلى مقدار ما تشاركينه عن نفسكِ، واسعي إلى حوار يقوم على المشاركة المتبادلة.

اقتراح موضوعات مشتركة: الانتقال إلى اهتمامات مشتركة، أو موضوعات عامة، قد يخفف تركيز الحديث على طرف واحد.

إظهار التفهم: أحيانًا يكون الإفراط في الحديث عن النفس انعكاسًا لشعور بالوحدة، أو القلق، أو انعدام الأمان. والتعاطف والدعم قد يساعدان في معالجة الجذور الحقيقية للسلوك. والصبر واللطف عنصران أساسيان؛ فكثيرون لا يدركون عاداتهم الحوارية؛ إلا عندما يُنبهون إليها بأسلوب راقٍ.