في المجتمع الإماراتي، لا تُعتبر الأسرة مجرد وحدة اجتماعية عابرة، بل هي الخلية الأولى، والنبض الذي يمنح هذا الوطن هويته المتفردة. ومع إعلان 2026 «عاماً للأسرة»؛ يتجدد الاحتفاء بهذا الكيان؛ ليبقى الحصن الحصين للقيم والتقاليد العربية الأصيلة. إن أهمية الأسرة - بالنسبة لدولة الإمارات - تتجاوز المفهوم التقليدي؛ فهي الركيزة التي استند إليها القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في بناء أمة متماسكة، مؤمناً بأن استقرار الوطن يبدأ من استقرار البيت، وفق ما جاء على الموقع الرسمي لمبادرة «مديم».

«الأسرة الممتدة»

تظل صورة «الأسرة الممتدة» محفورة في الذاكرة الإماراتية، كرمز للتكاتف، والتعاضد. فبحسب ما جاء بالموقع الرسمي لمنصة حكومة دولة الإمارات، فإن «البيت الكبير» كان يمثل العالم بأسره، حيث تجتمع فيه الأجيال من أجداد وأبناء وأحفاد، وزوجاتهم، في مساحات رحبة تفيض بالدفء. ولم يكن السكن المشترك مجرد ضرورة اقتصادية، بل كان نهجاً تربوياً نهل منه الجميع عاداتٍ وأعرافاً، أعانتهم على مواجهة تحديات الحياة. في تلك البيوت المبنية من الطين والحجارة خلال الشتاء، وبيوت العريش التي تستقبل نسيم المزارع صيفاً، كانت الحياة تُدار وفق «إتيكيت» اجتماعي صارم، يغلفه الاحترام والتقدير.

في ذلك الوقت، كانت الأدوار موزعة بدقة متناهية؛ فبحسب ما ذكر الموقع، كانت المرأة سيدة البيت، والمشرفة العامة على إدارته، بينما يخرج الرجل لتأمين لقمة العيش. فكانت النساء يستيقظن مع أذان الفجر، ويذهبن يومياً لجلب المياه من الآبار، وإعداد الطعام على نار الحطب، وغزل الحياكة، والتطريز. فالمرأة الإماراتية لم تكن ترعى أبناءها فحسب، بل كانت العمود الفقري الذي لا تستقيم حياة الأسرة إلا به، مع تمتعها بسلطة حاسمة في اتخاذ القرارات المنزلية، ما يُبرز دورها المحوري منذ القدم.

  • الأسرة الإماراتية إرث «البيت الكبير» يزهر في عامها الوطني

الجد.. بوصلة القيم والسكينة

أما الجد، أو الشخص الأكبر سناً، فكان يمثل القدوة والسلطة والسكينة. وهو المرجع الأول والأخير، فيضع القواعد، ويفصل في النزاعات بحكمته وسعة صدره، ويغرس في نفوس الصغار لغتهم الأم، وحفظ القرآن الكريم، والأخلاق الكريمة. فكانت «الأسرة الممتدة»، بمساحاتها الكبيرة التي يتوسطها «الحوش»، مدرسةً حقيقية، تُخرّج أجيالاً تتميز بالتربية الصالحة، والتمسك بالسنع الإماراتي. وكان التعاون يسود كلَّ شيء، من تقاسم أعباء العمل إلى المشاركة في الأفراح والأتراح، ما جعل المجتمع الإماراتي يُعرف - منذ الأزل - بجودة العلاقات، والابتعاد عن الشقاق.

التحول المعاصر.. من «الممتدة» إلى «النواة» 

استناداً إلى المعلومات الواردة في البوابة الرسمية لحكومة دولة الإمارات، تحولت ملامح الأسرة الإماراتية مع بزوغ فجر الاتحاد، والنهضة الشاملة لمواكبة العصر؛ فانتقلت تدريجياً من النمط الممتد إلى «الأسرة النواة» (الأب، والأم، والأبناء). ورغم تغير شكل المنازل، من الطين إلى الطرز المعمارية الحديثة، إلا أن «الجوهر» ظل ثابتاً. فقد حافظ الإماراتيون - بذكاء - على استقلالية الأسرة الصغيرة، دون التضحية بالترابط العائلي؛ فما زالت الأسر تحرص على السكن في أحياء متقاربة، ليبقى التكافل الاجتماعي حاضراً في رعاية المسنين، والتعاون المتبادل، ولتظل الأعياد والمناسبات فرصة متجددة للتلاقي والتصافي، تحت مظلة «البيت الكبير» معنوياً.

(2026).. تمكين الأسرة أولوية وطنية 

اليوم، تضع دولة الإمارات حماية الأسرة في صدارة أجندتها الوطنية، ويتجلى هذا بوضوح في مبادرات «عام الأسرة 2026». ووفقاً لما استعرضته التقارير الحكومية، حول الرعاية الاجتماعية، لم يعد التكافل الاجتماعي يعتمد على المبادرات الفردية، كما في الماضي، بل أصبح ممنهجاً ومؤسسياً، ويكفله الدستور. فالاستراتيجيات الحكومية، اليوم، تسعى إلى تمكين المرأة، التي باتت تشغل ثُلُثَي القوى العاملة الحكومية، وفي أعلى المناصب القيادية، مع توفير كل السبل التي تضمن توازنها الأسري، كما أن إنشاء «صندوق الزواج» يعكس حرص الدولة على بناء أسر مستقرة، تكون قادرة على تربية أجيال واعية. ووفقاً لما ذُكِرَ، فإن الأسرة الإماراتية، وهي تحتفي بعامها الخاص، تؤكد أن التحضر والنمو الاقتصادي لم يُباعدا بين أفرادها، بل زادا من تمسكهم بقيمهم العربية الأصيلة. ويبقى «البيت الكبير» فكرةً تسكن القلوب قبل أن تكون جدراناً، وتبقى الأسرة هي الثروة الحقيقية، والمستقبل الذي تراهن عليه الإمارات في مسيرتها نحو الريادة العالمية، مجسدةً معنى الانتماء إلى القبيلة، والوطن، في آنٍ.