شما المرزوقي: طموحي حمل الحِرْفة الإماراتية إلى العالم
بين رهافة الكروشيه، وشموخ «السدو»؛ تنسج الفنانة الإماراتية، شما المرزوقي، صاحبة «صوف استوديو»، خيوطاً لا تربط فقط بين الأقمشة، بل بين الماضي بثرائه، والمستقبل بابتكاره. فمن غرف المكتبة الجامعية، حيث بدأت شرارة التعلم الذاتي، وصولاً إلى منصات العرض الفنية؛ حولت شما شغفها الطفولي إلى «صوف استوديو»؛ المختبر الإبداعي الذي يتبنى فلسفة «الموضة البطيئة»، ويُعيد تعريف الحرفة اليدوية كعلاج للروح، ومساحة للتفرد.. في هذا الحوار، نلتقي الفنانة الإماراتية؛ لنعرف أكثر عن رحلتها:
طريق غير مباشر
تعود شما بذاكرتها إلى مشهد بسيط، شكّل نقطة انطلاق حياتها الفنية، هو مراقبة والدتها وهي تخيط الملابس.. تخبرنا قائلة: «كنت أجلس بجانب والدتي وهي تخيط الملابس، ولم أكن أدرك، حينها، أن تلك اللحظات البسيطة ستحفر في داخلي فضولاً لا ينطفئ تجاه الخيوط والأقمشة». لكنَّ الطريق إلى الحرفة لم يكن مباشراً؛ فقد انشغلتْ بالدراسة لسنوات، قبل أن تعود إلى شغفها عام 2016. فهناك، في الحرم الجامعي، أعادت اكتشاف الكروشيه؛ لتبدأ رحلة جديدة لم تكن تعرف إلى أين ستقودها. وتوضح شما قائلة: «كان فضولي هو دافعي الأول دائماً؛ بدأتُ بصناعة قطع صغيرة مثل (الكوسترات)، لكنني سرعان ما وجدت نفسي أنجذب بلهفة نحو عوالم أوسع، مثل: السدو، والسجاد وتقنيات التطريز المعقدة». ومع كل تجربة جديدة، كانت تكتشف أن الحرفة ليست مجرد مهارة يدوية، بل مساحة نفسية تمنحها الهدوء، والتركيز.
-
شما المرزوقي: طموحي حمل الحِرْفة الإماراتية إلى العالم
تعلم ذاتي
كانت المكتبة الجامعية نقطة البداية؛ حيث تعلمت شما الكروشيه مع صديقتها، عبر مقاطع «يوتيوب»، فقد كانتا تراقبان الغرز خطوةً بخطوة، وتحتفلان بكل تقدم ولو صغيراً. لكنَّ التحول الحقيقي جاء عام 2017؛ عندما اكتشفت تقنية «إبرة النفاش» (Punch Needle)، التي لم تكن معروفة في المنطقة آنذاك. واتجهت إلى متابعة فنانين أميركيين عالميين، عبر الإنترنت، حتى أتقنتها. واليوم، لم تعد متعلمة فقط، بل أصبحت من الأسماء، التي تعلم هذه الحرفة في المنطقة، من خلال ورشها المتخصصة.
التحول الأكبر
جاء التحول الأكبر خلال جائحة «كورونا»؛ ففي فترة العزلة، بدأت شما تجربة دمج السدو، والكروشيه، في الملابس الإماراتية التقليدية، مثل: الجلابيات، والعبايات؛ بحثاً عن لمسة غير مألوفة، تجمع بين التراث والتجريب. وفي إحدى التجارب، صبغت قطعة قماش بيضاء بألوان الباستيل، وصممت منها عبايات لنفسها ولصديقاتها. لم تتوقع شما أن تصبح تلك التجربة العفوية نقطة انطلاق لمشروع حقيقي. بعدها، ازدادت الطلبات عليها؛ فأدركت أن هوايتها يمكن أن تتحول إلى تجارة، وعلامة خاصة بها. وهكذا ولد «صوف استوديو»، المشروع الذي يعكس فلسفتها الفنية، القائمة على الموضة البطيئة، فهي لا تؤمن بالإنتاج الواسع أو الاستهلاك السريع، بل تفضل إصدار مجموعات محدودة، تحمل قيمة فنية وزمنية.. تقول شما: «أريد أن يرى الناس الوقت والجهد خلف كل غرزة، وأن يشعروا بأن القطعة عمل فني حقيقي».
بين الفن.. وريادة الأعمال
لم تكن رحلة تأسيس المشروع خالية من التحديات؛ فإقناع الجمهور بقيمة العمل اليدوي، في عالم اعتاد الإنتاج السريع، لم يكن سهلاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بتسعير القطع. لكنَّ خبرة شما الأكاديمية ساعدتها في تجاوز الكثير من العقبات؛ فقد درست «إدارة الأعمال»، كما حصلت على درجة الماجستير في إنتاج «الميديا»، ما منحها القدرة على الجمع بين عقلية رائدة الأعمال، وخيال الفنانة. اليوم، تدير شما تفاصيل مشروعها من مشغلها المنزلي بكثير من الثقة والاحترافية، حيث تصف تجربتها بالقول: «مشروعي الخاص هو مدرستي الحقيقية؛ ففيه لم أتعلم فنون الحرفة فحسب، بل خضت دروساً يومية في التفاوض، وإدارة العقود مع الموردين بثقة أكبر، وبناء علاقات مهنية قائمة على الثقة.. لقد منحني هذا العمل استقلالية تتجاوز حدود المادة».
-
شما المرزوقي: طموحي حمل الحِرْفة الإماراتية إلى العالم
النول والسدو.. حوار مع التراث
ورغم تنوع التقنيات التي تعمل بها شما، إلا أن النول والسدو يبقيان الأقرب إلى قلبها؛ فترى فيهما مساحة إبداعية واسعة، كشابة إماراتية تعيد قراءة حرفة توارثتها الأجيال. وتستلهم شما نقوشها من عناصر التراث المحلي مثل «المندوس»، لكنها لا تكتفي بإعادة إنتاجها كما هي، بل تعيد تقديمها بألوان وخيوط جديدة، تمنحها حيوية معاصرة، دون أن تفقد جذورها.
الحرفة ملاذ إنساني
بالنسبة لشما، لا يتعلق الفن بالإنتاج فقط، بل بالتجربة الإنسانية التي ترافقه؛ فهي تؤمن بأن لكل إنسان حاجة إلى مساحة، يُفرغ فيها مشاعره، ويترجمها إلى شيء ملموس.. وتبين: «أن تصنع شيئاً بيديك من العدم شعور لا يشبهه شعور آخر؛ لأنه يمنحك إحساساً بالرضا، والقدرة على التأثير في عالمك الخاص».
حلم عالمي بخيوط إماراتية
بينما تستعد شما؛ للمشاركة في معرض «دبي ورلد آرت»، خلال أبريل الحالي، بسجادة مستوحاة من التراث الإماراتي، تحلم بأن تحمل أعمالها الحرفة الإماراتية إلى منصات عالمية. واليوم، تواصل شما المرزوقي نسج قصتها، غرزةً بعد أخرى، محافظةً على روح الطفولة التي لا تزال ترافقها. وتدعو كل امرأة إلى البحث عن مساحة خاصة بها، تفرغ فيها توترها؛ لتبدع شيئاً يخصها وحدها.. ورسالتها الأخيرة: «تسلحي بالعلم، وتطوير النفس، حتى بعد الجامعة؛ فالتعلم المستمر يُبقي الروح طفولية، ومبدعة، وشابة دائماً».