علي المطروشي: أدون التراث في قلبي للأجيال

من أزقة الفريج الشرقي في عجمان، حيث تروي البيوت القديمة حكايات «الزمن الجميل».. بدأت فصول حكاية الباحث والكاتب علي محمد المطروشي، مستشار التراث والتاريخ المحلي بدائرة السياحة والثقافة والإعلام - عجمان، الذي جمع بين عشق الموروث وشغف التدوين؛ فحول اهتماماً طفولياً بالحكايات الشعبية إلى مشروع ثقافي وتو

من أزقة الفريج الشرقي في عجمان، حيث تروي البيوت القديمة حكايات «الزمن الجميل».. بدأت فصول حكاية الباحث والكاتب علي محمد المطروشي، مستشار التراث والتاريخ المحلي بدائرة السياحة والثقافة والإعلام - عجمان، الذي جمع بين عشق الموروث وشغف التدوين؛ فحول اهتماماً طفولياً بالحكايات الشعبية إلى مشروع ثقافي وتوثيقي ومعرفي، امتد إلى أكثر من ثلاثة عقود، صاغ - خلالها - ذاكرة إماراتية مكتوبة في مؤلفاتٍ، وأصبحت مراجع في التراث والتاريخ المحلي.. في حديثه مع «زهرة الخليج»، يأخذنا المطروشي في رحلة بين المتاحف والقاعات الجامعية، متحدثاً عن دَوْره في نقل الهوية الثقافية بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة:

بيت العائلة الكبير

يستعيد المطروشي بداياته، قائلاً: «نشأت في بيت العائلة الكبير، بمنطقة الفريج الشرقي في (عجمان القديمة)، حيث الحياة التقليدية حاضرة بكل تفاصيلها. وعشت بين جيل الآباء، الذين عملوا بمهنة الغوص على اللؤلؤ، ومنهم: والدي، وأعمامي. وقد تأثرت كثيراً بحكاياتهم، ولهجتهم القديمة. كنت أستمع بشغف إلى قصص الكبار، وأخبارهم، وأشعارهم؛ ما جعلني شغوفاً بجمعها، وحفظها منذ الصغر». ويضيف: «عام 1980، بدأت تدوين القصائد المختارة من الشعر الشعبي والفصيح؛ فوجدتني أعيش بين عالمَين: التراث العربي، والمحلي. وقد درست التاريخ أكاديمياً، ثم عملت بمجال المتاحف؛ لأكتشف أن الهواية أصبحت جزءاً من عملي، ومسيرتي المهنية».

  • علي المطروشي: أدون التراث في قلبي للأجيال

حكايات تستحق التوثيق

يتحدث علي محمد المطروشي، بشغف، عن عالم القصص الشعبية، قائلاً: «التراث الإماراتي زاخر بالحكايات، التي تعبر عن خصوصية البيئات الأربع في الدولة: الساحلية، والصحراوية، والجبلية، وبيئة الواحات. وكل حكاية تحمل ملامح المكان والناس وطريقتهم في الحياة. ولدينا قصص المغامرات البحرية، والأمثال الشعبية، التي وصلنا بعضُها مدوناً، والكثير منها ضاع بوفاة الرواة؛ لذلك أشعر بمسؤولية كبيرة تجاه حفظ ما تبقى من هذه الذاكرة الشفاهية، الغنية بالعِبر والعظات».

من المتحف.. إلى القاعات الأكاديمية

وعن فترة عمله الممتدة بمتحف عجمان، يقول الباحث والكاتب الإماراتي: «أعرب عن بالغ سعادتي؛ لقضائي أكثر من 32 عاماً في العمل المتحفي، الذي بدأ بتولي إدارة متحف عجمان عام 1993، وكان تجربة منحتني فرصة التعمق في موروثنا فكرياً وثقافياً. واستمر عندما توليت منصب مستشار في التراث والتاريخ المحلي عام 2011، الأمر الذي أتاح لي التفرغ؛ للبحث والتأليف، والمشاركة في العطاء الثقافي. وقد طُلب مني، عام 2014، تدريس مساق التراث الشعبي في الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية، حتى تم إلغاؤه عام 2018. وقد كانت هذه التجربة فرصة لنقل التجربة الميدانية إلى القاعات الأكاديمية».

التراث في خدمة الحاضر

يؤكد علي محمد المطروشي أن دراسة التاريخ الأكاديمية صقلت أدواته في نقل التراث إلى المتلقي، بأسلوب علمي جذاب، فيقول: «أحرص، دائماً، على الجمع بين الرصانة العلمية، وجمال السرد الشعبي؛ فأكتب مؤلفاتي بلغة عربية فصحى، متأثرة بقراءاتي في كتب التراث القديم، وأوظف اللهجة المحلية؛ لتخدم روح النص. أما على مستوى التعليم، فالمناهج الحالية تتضمن مواد عن التراث، لكنني أرى أن نقلها بشكل فعال يحتاج إلى معلم مواطن، متمكن من اللهجة والثقافة المحليتين». ويتابع: «كما أن توظيف التقنيات الحديثة، مثل: الذكاء الاصطناعي، والعروض التفاعلية، سيُسهم في إحياء الموروث، وإيصاله إلى الأجيال بأسلوب معاصر، وقريب من روحهم».

بين التوثيق.. والكتابة

وعن دوافعه إلى التأليف، يقول الباحث والكاتب الإماراتي: «لكل كتاب قصة.. فكتابي الأول (المواهب اللطيفة) جاء بتشجيع من الشاعر الراحل حمد بن خليفة بوشهاب، الذي تكفل بطباعته. أما كتاب (السنع مفخرة السلوك الإماراتي الرفيع)، فجاء بتكليف من وزارة الثقافة. كما كُلفت من قِبَل (أرشيف الشارقة) بتأليف كتابين عن تاريخ التعليم، وتاريخ المكتبات في الإمارة». ويضيف: «كتابي عن التعليم التقليدي في عجمان كان بدافع ذاتي؛ لتوثيق جانب مهم من تاريخ الإمارة؛ لأنه يعكس رحلة الإنسان الإماراتي في طلب العلم والمعرفة. وهناك كتابان يضمان مجموعة بحوث ومقالات، سبق نشرها في الصحف والمجلات، هما: (عناقيد ثقافية)، و(الدهريز)».

  • علي المطروشي: أدون التراث في قلبي للأجيال

هوية حية

يتحدث علي محمد المطروشي، بتأمل، عن الوعي المجتمعي بالتراث؛ قائلاً: «أصبح الحفاظ على التراث جزءاً أصيلاً من الوعي الوطني». ويتابع: «منذ قيام الاتحاد، نشطت الدولة في دعم البحوث والبرامج التراثية؛ حتى أصبحت مكتبتنا غنية بإرث معرفي، يمتد إلى أكثر من نصف قرن. ومع الانفتاح الثقافي، ووجود جاليات كثيرة على أرضنا؛ صار التراث جسراً للتواصل بين الثقافات». ويؤكد الباحث والكاتب الإماراتي: «رسالتي الدائمة، النابعة من قلبي الذي أحمل فيه التراث، هي أن حفظ الموروث يعني إحياءه في الوعي المعاصر؛ ليبقى نابضاً في وجدان الأجيال القادمة».

وحدة.. وانتماء

وفي ختام هذا الحديث، يؤكد علي محمد المطروشي، الباحث والكاتب الإماراتي، أن التراث الإماراتي أساس هوية وطنية حية، تحمل قيم: الوحدة، والانتماء، والفخر بالإنجازات الوطنية. ويضيف: «يجب أن نستشعر مسؤوليتنا تجاه نقل هذه الروح إلى الأجيال الجديدة؛ ليظل التراث نبراساً يضيء دروب المستقبل، ويعكس قوة الإمارات، وعمق جذورها الثقافية». ويبين أن الاتحاد جمع الإمارات في كيان واحد، وحفظ التراث يجمع الماضي بالحاضر؛ ليصنع غداً أكثر إشراقاً للأجيال القادمة.