منتهى الشحي: «الغوص» مغامرة محفوفة بالتعلم
في الأعماق، حيث يهدأ كل شيء إلا الأنفاس.. وجدت الإماراتية، منتهى الشحي، مساحة للسكينة، والتركيز. فلم تدخل البحر بحثاً عن مغامرة عابرة، بل عن توازن داخلي بعد مرحلة إنسانية صعبة. فما بدا خطوةً بسيطةً نحو تجربة الغوص، تحوّل - بسرعة - إلى مسار مهني دقيق، وحساس، قادها إلى أحد أكثر تخصصات الغوص تحدياً: (الغوص مع القروش). وبعيداً عن الصور النمطية، المرتبطة بالخطر والإثارة، تتحدث الشابة الإماراتية، مع «زهرة الخليج»، عن عالمها الخاص، حيث يشكل الانضباط والمعرفة واحترام البيئة البحرية أساس عملها، الذي تؤديه بمسؤولية واحترافية، قائمتين على التدريب والفهم العميق للسلوك البحري:
-
منتهى الشحي: «الغوص» مغامرة محفوفة بالتعلم
كيف تحوّل البحر، لديك، من تجربة شخصية للبحث عن التوازن، إلى مسار مهني احترافي؟
بعد وفاة خالتي، رحمها الله، مرت بي مرحلة صعبة نفسياً، فكنت أبحث عن الهدوء أكثر من بحثي عن الإنجاز. وقتها قرأت إعلاناً عن دورة غوص، فقررت أن أجرب بلا توقعات. منذ اللحظة الأولى تحت الماء؛ شعرت بأن ذهني يهدأ بطريقة لم أعشها من قبل، كأن الضجيج الداخلي انطفأ فجأة؛ فأدركت أن الغوص ليس هروباً، بل إعادة ترتيب من الداخل. بعدها، لم أتعامل مع الغوص كهواية عابرة، وإنما بدأت أتدرّج في المستويات بجدية، وأتدرّب باستمرار، إلى أن أصبحت مساعد مدرب. عندها، أدركت أن الغوص مسؤولية قبل أن يكون مهارة؛ فحين ينزل أشخاص إلى الماء وهم يثقون بك، تتغيّر طريقة تفكيرك بالكامل، وتصبح أكثر انضباطاً ووعياً بكل تفصيلة.
حضور ذهني
متى بدأت علاقتكِ بـ«القروش»، وما الشعور الذي انتابك عند الاقتراب منها؟
كانت المواجهة الأولى هادئة تماماً؛ دون اندفاع، أو ذعر، فقط مراقبة متبادلة دقيقة. مع الوقت، اكتشفت أن «القروش» ليست عدوانية كما نتصوَّر، وإنما دقيقة في سلوكها؛ فإذا احترمت بيئتها وحدودها، فإنها تتعامل معك بهدوء. وعندما يقترب «القرش» لأمتار قليلة، يرتفع التركيز إلى أقصاه؛ فكل نفس محسوب، وكل حركة مدروسة. والخوف يتراجع، ويحل محله حضور ذهني كامل.. تلك اللحظات تعلّمك السيطرة على نفسك أكثر من أي تدريب.
بعد غوصكِ مع 13 نوعاً من «القروش».. ما الدروس التي تعلمتِها؟
لكل نوع سلوك مختلف؛ فـ«القرش النمري» علّمني الصبر والقراءة الهادئة للحركة، و«قرش الثور» علّمني الثبات أثناء المواجهة؛ لأن التردد أخطر ما يكون. لكن الدرس الأكبر لم يكن عنها، بل عني أنا. فقد تعلّمت أن الهدوء قوة، وأن الثقة تُبنى على المعرفة، لا على الجرأة غير المحسوبة. كما أدركت أن الشجاعة ليست أن تُكمل مهما حدث، بل أن تعرف متى تتوقف. فأحياناً، يكون الانسحاب القرار الأكثر مسؤولية؛ لأن البحر لا يحب الاستعراض، ويكافئ من يحترمه فقط.
ما الغَوْصة، التي لا تزال راسخة في ذاكرتكِ، وتشعرين بأنها شكّلت لحظة فارقة في مسيرتكِ؟
إنها غَوْصة اتسمت بقدر كبير من الهدوء، وكانت برفقة المدرب فقط، بعيداً عن المجموعات. هذا الصمت منح اللحظة كثافة مختلفة، كأنك تسمعين أدق التفاصيل من حولك. بدأت «القروش» تقترب بحركة دائرية مدروسة، كأنها تختبر وجودنا. وقتها، شعرت بأن كل ثانية امتحان حقيقي لكل ما تعلمته. فلم يكن هناك مجال للخوف أو التردد؛ فقط تركيز وثبات. وعندما خرجت من الماء، أدركت أن السيطرة على النفس أهم من أي مهارة تقنية، وأن «تخصص القروش» ليس شهادة فحسب، بل اختبار حقيقي لشخصيتي.
-
منتهى الشحي: «الغوص» مغامرة محفوفة بالتعلم
إدارة دقيقة للمخاطر
كمدرّبة متخصصة.. ماذا يتطلب الغوص مع «القروش»، وهل تحملين رسالة توعوية تجاه البيئة البحرية؟
من حيث الانضباط والسلامة، يعد الغوص مع «القروش» تخصصاً دقيقاً يتطلب تدريباً مكثفاً، والتزاماً صارماً بمعايير الأمان، وفهماً عميقاً لسلوك الكائنات البحرية. نحن لا نبحث عن الإثارة، بل عن الإدارة الدقيقة للمخاطر. كمدرّبة، سلامة الفريق مسؤوليتي الأولى، كما أحرص على تصحيح الصورة النمطية عن «القروش»؛ فهي عنصر أساسي في توازن النظام البحري، وليست «وحوشاً» كما تُقدَّم. عندما نغوص في أعماق البحر، نكون ضيوفاً في بيئتها، وإذا تعاملنا معها باحترام، فإن كل شيء يتغيّر؛ لذلك أرى في عملي رسالة توعوية بقدر ما هو مسار مهني.
كيف انعكس مجال الغوص على شخصيتكِ، وحياتكِ، خارج البحر؟
أصبحت أكثر صبراً، وتركيزاً، وثقة بحدسي. كما تعلّمت ألا أندفع في قراراتي، وأن أقرأ المواقف، كما أقرأ حركة الماء. أيضاً، البحر علّمني الانضباط، وتحمل المسؤولية.
ما النصيحة، التي تقدمينها إلى مَنْ يرغب في دخول عالم الغوص، أو الرياضات البحرية؟
أقول: ابدأ بالمعرفة قبل الشجاعة، وتعلّم على أيدي متخصصين، وتدرّج بهدوء، وتعامل مع البحر باحترام. فإذا فعلت ذلك، فسيمنحك البحر أكثر مما تتوقع.. هدوءاً داخلياً، وثقة بالنفس، وعلاقة أصدق مع الطبيعة.