تفرض فترات التوتر، والمتغيرات المتسارعة، ضغوطاً جسيمة على البنية النفسية للأسر، وهي ضغوط قد تبدو خفية في ظاهرها، لكنها عميقة في تأثيرها. وفي هذا السياق، توضح الدكتورة غورفين رينجر، استشارية علم النفس السريري ومديرة العمليات لدى «عيادات سيج»، المتخصصة في علاج البالغين، أن الممارسة السريرية تكشف، غالباً، عن نمط متكرر؛ فبينما تستمر عجلة الحياة اليومية، والالتزامات المهنية والمجتمعية في الدوران، تبرز عوامل «مربكة»، مثل: التحول للتعلم عن بُعد، وتقلبات الطقس، والشعور العام بعدم القدرة على التنبؤ بمجريات الأزمات.
-
الدكتورة غورفين رينجر
وتشير الدكتورة رينجر إلى أن هذه العوامل ترفع، بشكل ملحوظ، مستويات التوتر لدى البالغين والأطفال على حد سواء، ما يستوجب تحولاً في «استراتيجية المواجهة» داخل الأسرة. فبدلاً من استنزاف الطاقة في محاولة السيطرة على البيئة الخارجية المتقلبة، تنصح بضرورة التركيز على توفير واحة من الاستقرار داخل المنزل.
وتؤكد الرؤية التحليلية للدكتورة رينجر أن الأفعال الصغيرة، والمستمرة، هي المفتاح الحقيقي؛ للحفاظ على التوازن النفسي، حيث تعمل كمصدات طبيعية، تمنع تراكم الضغوط، وتحمي أفراد الأسرة من التبعات طويلة الأمد للتوتر المستمر.
الحفاظ على الاستقرار العاطفي داخل المنزل:
وتشير الدكتورة رينجر إلى أن الأسر تشكل بيئات عاطفية متكاملة، والأطفال على وجه الخصوص الأكثر حساسية لأجواء المنزل. فهم لا يدركون تفاصيل الأحداث الجارية، لكنهم يلاحظون تغيرات المزاج والتوتر، ويلتقطون الأحاديث الدائرة من حولهم. وتعتبر أن التركيز على ضبط المشاعر، قبل تقديم أي تفسير، من أنجح، الطرق التي يمكن للوالدين اتباعها في هذه الحالات. وتتابع موضحة أنه عندما يتحلى الكبار بالهدوء والاتزان والثبات، يشعر الأطفال بالأمان. وتضيف أنه من المهم، أيضاً، الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان، فالمواعيد المنتظمة للوجبات، وجداول الدراسة، ووقت أداء الواجبات المنزلية، والأنشطة العائلية، كلها توفر شعوراً بالاستقرار، يُطمئن الأطفال خلال فترات عدم اليقين.
وتنصح الدكتورة رينجر بتقديم تفسيرات بسيطة ومناسبة لأعمار الأطفال، والسماح لهم بطرح الأسئلة، للتخفيف من التوتر، فالتواصل المفتوح والمتزن يلعب دوراً مهماً في تهدئة الأجواء، مبينة أن الأطفال، غالباً، يغذون الفراغات المعلوماتية بخيالهم، ما قد يجعل المواقف تبدو أكثر رعباً مما هي عليه في الواقع. أما بالنسبة للمراهقين، الأكثر تعرضاً للأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تؤكد أن مناقشة كيفية إدارة مصادر المعلومات، وتجنب التعرض المفرط لها، قد يكونان مفيدين أيضاً.
وتشرح الدكتورة رينجر أنه، غالباً، ينشأ التوتر خلال فترات عدم اليقين، ليس من الأحداث نفسها، بل من التدفق المستمر للمعلومات، والتكهنات المحيطة بها. وتتمثل إحدى الاستراتيجيات المفيدة في تحديد «فترات زمنية للأخبار»، فبدلاً من متابعة التحديثات باستمرار طوال اليوم، يمكن للعائلات الحد من استهلاك الأخبار إلى فترة أو فترتين قصيرتين يومياً. وهذا يقلل التنشيط المستمر لنظام الإنذار في الدماغ.
-
نصائح للحفاظ على الصحة النفسية.. خلال الأزمات
كيفية إدارة التوتر في الحياة اليومية:
وتشبّه الدكتورة رينجر إدارة التوتر اليومي بإرشادات السلامة في الطائرات؛ حيث يجب على الفرد «وضع قناع الأكسجين الخاص به أولاً» قبل مساعدة الآخرين. فالاهتمام بالصحة النفسية والجسدية للوالدين ليس أنانية، بل هو ركيزة أساسية لتمكينهما من دعم أطفالهما، وزملائهم بفاعلية.
وتسلط الدكتورة الضوء على «التنظيم الجسدي» كأداة قوية في إدارة التوتر، لكنها غالباً تُغفل، مشيرة إلى الارتباط الوثيق بين صحة الجسم، ومرونة العقل. فعندما يحظى الجسم بالدعم، يصبح نظام استجابة الدماغ للتوتر أكثر هدوءًا وتوازنًا. ويساهم النوم الكافي، والحركة المنتظمة، وقضاء الوقت في الهواء الطلق، والتغذية المتوازنة في تعزيز المرونة النفسية. حتى العادات الصغيرة تُحدث فرقًا ملموسًا، مثل: التعرض لضوء الشمس الطبيعي صباحًا، أو المشي قليلًا بين الاجتماعات، أو اتباع روتين هادئ قبل النوم.
كما تدعو العائلات لتفعيل «نظام التهدئة»، وهو مجموعة التجارب، التي تُساعد الجهاز العصبي على الشعور بالأمان والترابط والاستقرار، من خلال لحظات تواصل حقيقية، كتناول الوجبات المشتركة دون أجهزة إلكترونية، أو القيام بنزهة عائلية منتظمة، أو إجراء أحاديث في نهاية اليوم، أو تحديد لحظات للصلاة أو التأمل، أو وضع جداول للدراسة والواجبات المنزلية، والمهام والمسؤوليات، وهي جميعها ممارسات تتناغم مع مستهدفات مبادرة «عام الأسرة» في دولة الإمارات، التي تركز على أن الروابط الأسرية القوية أساس تماسك المجتمع.
وفي الجانب العملي، تنصح الدكتورة رينجر بالانتقال من محاولة إدارة كل شيء دفعة واحدة إلى التركيز على ما يمكن التحكم فيه بشكل مباشر، مثل: وضع «تقويم عائلي مشترك» لتنظيم التوقعات، وتخفيف ضغوط اللحظات الأخيرة. كما ترى المخاوف المالية مصدرًا آخر للتوتر في الحياة الأسرية المعاصرة، فبينما يُمكن أن يُثير عدم اليقين قلقًا، غالبًا يُعيد التخطيط العملي إعادة الشعور بالسيطرة. وتنصح كذلك بمراجعة الميزانيات، وتحديد النفقات الأساسية، ووضع خطط مالية قصيرة الأجل، للحد من القلق المبهم، وتحويله إلى خطوات ملموسة. وتضيف أنه، في كثير من الحالات، يكون عدم اليقين نفسه هو ما يُغذي التوتر، لذا وجود خطة يُساعد على تهدئة الذهن أساسية للغاية.
بالنسبة للأطفال، يظل الحفاظ على روتين مُنظّم أمرًا بالغ الأهمية. فأوقات الدراسة المُتوقعة، وجداول النوم المُنتظمة، وتشجيع الوالدين، تُساعد الأطفال على التركيز، وتقليل تأثير المُشتتات. وفي الوقت نفسه، يُعدّ التوازن أمرًا بالغ الأهمية. فالأطفال لا يستفيدون من النظام الأكاديمي فحسب، بل يستفيدون أيضًا من فرص الراحة واللعب والتواصل مع أفراد الأسرة.
-
نصائح للحفاظ على الصحة النفسية.. خلال الأزمات
تمتين الروابط الأسرية في أوقات عدم اليقين:
تختم الدكتورة رينجر موضحة أن جو المنزل يبقى ملاذًا للاستقرار؛ عندما تكون العوامل الخارجية أمراً خارج عن سيطرة الفرد، وأن الأسر التي تُعطي الأولوية للتواصل، وتحافظ على الروتين اليومي، وتُدير تعرضها للمعلومات بشكل مدروس، ويدعم بعضُها بعضًا عاطفيًا، تستطيع حماية سلامتها النفسية حتى في أوقات عدم اليقين، مؤكدة أنه من خلال التركيز على التواصل الهادئ، والتخطيط العملي، والروحانية، تستطيع الأسر تحويل فترات عدم اليقين إلى فرص؛ لتعزيز الصمود والتعاطف والترابط.