«حتا» كما عاشها الأجداد.. تجربة بخيت المقبالي بين الجبال والتراث

في عمق جبال حتّا، حيث الهواء يهب نقياً كأول الفجر، وتتداخل طبقات التاريخ مع طبقات الصخر.. اختار بخيت محمد المقبالي أن يجعل من المكان حكاية تُعاش، فهناك، في حضن جبل عملاق، شق طريقه؛ ليصنع وجهة سياحية مميزة؛ عبارة عن مخيم جبلي على بُعْد حوالي 120 كيلومتراً من قلب إمارة دبي، وليستعيد تفاصيل الحياة القد

في عمق جبال حتّا، حيث الهواء يهب نقياً كأول الفجر، وتتداخل طبقات التاريخ مع طبقات الصخر.. اختار بخيت محمد المقبالي أن يجعل من المكان حكاية تُعاش، فهناك، في حضن جبل عملاق، شق طريقه؛ ليصنع وجهة سياحية مميزة؛ عبارة عن مخيم جبلي على بُعْد حوالي 120 كيلومتراً من قلب إمارة دبي، وليستعيد تفاصيل الحياة القديمة في المنطقة، ويعيد تقديمها إلى الزوار بأسلوب يحترم التراث، دون أن يتخلى عن متطلبات الراحة، في تجربة تجمع بين الجمال الفطري، وهندسة بناء تقليدية صديقة للبيئة، وروح الضيافة التي تميز أهل الجبال.. في هذا الحوار، يفتح بخيت المقبالي قلبه لـ«زهرة الخليج»، ويروي حكاية المكان، والحلم، والبدايات، ورؤيته المستقبلية لتوسيع المشروع، وجعله وجهة مستدامة على مدار العام:

  • «حتا» كما عاشها الأجداد.. تجربة بخيت المقبالي بين الجبال والتراث

بدايةً.. حدثنا عن موقع المخيم، واللحظة التي أدركت فيها أن هذا المكان يجب أن يكون وجهتك السياحية!

الموقع، في حد ذاته، كان رسالة من الطبيعة. فهناك، يحتضن جبل ضخم المكان، وتنبعث الهيبة من كل صخرة، ويشع الهواء النقي من أعماق الطبيعة. بدأت الفكرة بخيمة تقليدية واحدة، تُعرف باسم «خيمة البحث»، لكن مع تزايد اهتمام الزوار، واحتياجهم إلى تجربة أوسع، وأكثر تفاعلاً مع المكان، قمت بتطوير نموذج «خيمة السطحة»، التي اعتمدها أهل الجبال منذ القدم، وأضفت إليها لمسات عصرية بسيطة، مثل: الكهرباء، والأسِرّة؛ لتوفير أقصى درجات الراحة، دون المساس بالروح التراثية. هذه التجربة تراثية في المظهر، لكنها مريحة في الجوهر؛ فالتراث ليس دعوة للعودة إلى المشقة، بل لاستعادة الروح. ومع مرور الوقت وتزايد الطلب، تحولت الفكرة إلى مشروع متكامل، يضم اليوم 27 خيمة، إلى جانب جلسات واسعة، ومرافق مجهزة؛ لتمنح الزوار تجربة متكاملة.

امتداد للذاكرة

بصفتك ابن «حتّا».. كيف أثر هذا الانتماء في تصميم «المخيم»، وهويته؟

كوني من أبناء المنطقة؛ كان عاملاً حاسماً؛ فأنا لم أصنع المخيم كوجهة سياحية فقط، بل كامتداد لذاكرتي. وقد اعتمدت تصميم الخيام التراثية، والجدران الحجرية، وطرق البناء القديمة، مثل: الطية، والدعن، والسمر؛ لأوفر البيئة نفسها، التي عاشها الأجداد.

ما التحدي الأكبر، الذي واجهك في البدايات؟

 الحصول على أرض مناسبة كان أصعب ما واجهته. لكن بالإصرار، ومتابعة الجهات المختصة؛ تحول التحدي إلى فرصة. إن كل خطوة مشيتها كانت درساً في أن المشاريع التراثية تحتاج إلى صبر مضاعف؛ لأنها إعادة لروح المكان، وليست مجرد بناء.

هل يقدم «المخيم» دوراً تعليمياً غير مباشر عن الحياة الجبلية؟

بالطبع، فلقد تحول «المخيم» إلى مدرسة حية للتعلم بالممارسة، ومن ذلك: إشعال النار، وإعداد الطعام على الجمر، وسبل التنقل بين الجبال بأمان، واحترام البيئة الفطرية. الثقافة، هنا، تنتقل بالمعايشة والتجربة المباشرة، لا بالمحاضرات النظرية، ما يجعل كل زيارة متجددة، ويحفز الزوار على العودة مرات عدة، خلال السنة؛ بحثاً عن التجربة نفسها.

على مستوى البناء.. ما التقنيات التقليدية، التي أعدت الحياة إليها؟

استخدمت كل ما توفره الطبيعة، مثل: «الدعن» من النخيل كجدران وأسقف، و«أخشاب السمر» كأعمدة وأسِرّة، و«الحصى المحلي» بطريقة «الطية» التقليدية، و«الطين» كمادة ربط وعزل. هذه المواد ليست «ديكوراً»، بل هندسة عاش عليها أهل المنطقة، وهي - في الوقت نفسه - صديقة للبيئة، ومتينة، وتمنح المكان دفئاً، وروحاً، قد لا توفرهما المواد الحديثة.

  • «حتا» كما عاشها الأجداد.. تجربة بخيت المقبالي بين الجبال والتراث

لحظة «تنفس»

ماذا يقول الزوار بعد تجربتهم في «المخيم»، وهل يتغير سلوكهم عندما يكونون في حضرة الجبل؟

أكثر الزوار يعتبرون تجربتهم في «المخيم» لحظة «تنفس» مختلفة عن صخب المدينة. فالبعض يتحدثون عن شروق الشمس الساحر، وآخرون يذكرون صوت الحطب وهو يشتعل، وصمت الجبال الذي يملأ المكان بهدوء فريد. في حضرة الجبل، يهدأ الإنسان ويُصغي، ويترك هاتفه جانباً، ويجلس مع نفسه. وكثيرون منهم يشعرون، للمرة الأولى، بأنهم انفصلوا عن العالم الرقمي دون أي ضغط أو إجبار. إن الجبل يعيد الاتزان الداخلي، ويمنح شعوراً بالسكينة والراحة النفسية؛ لتصبح التجربة أكثر من مجرد نشاط، إنها إحساس يدوم في الذاكرة، ويترك أثره في النفس.

هل هناك فائدة تعود على المجتمع المحلي من «المخيم»؟

بالتأكيد.. عبر استقطاب الحرفيين، وأصحاب المهن التراثية؛ لتقديم جلسات، وورش طبخ، ومشغولات يدوية. وكذلك عبر تعزيز الحركة السياحية في حتّا بصفة عامة، وعبر إبقاء الموروث حياً ومتداوَلاً بين الأجيال.

بعد هذه السنوات.. ما أكبر درس تعلمته من إدارة «المخيم»؟

إذا احترمت المكان؛ فإنه يبادلك الاحترام، ويعيش الزائر تجربة بسيطة، لكنها تترك أثراً أعمق من «فندق خمس نجوم».

ما خططك المستقبلية للمخيم، وما الحلم الذي تنتظر تحقيقه؟

أسعى إلى توسيع «المخيم»، وزيادة الأنشطة والمرافق، وجعله يعمل على مدار العام؛ ليصبح وجهة مستدامة، تُقدم صورة صادقة عن بيئة الجبل الإماراتي. كما أحلم بأن يصبح معلماً سياحياً إماراتياً، ومعروفاً عربياً، وأن يبقى محتفظاً بروح الجبل، ليُوفر لكل زائر السكينة والهدوء، مع الحفاظ على «حتّا» كما عرفناها؛ لتصل قصتها إلى العالم.. كما أراها في قلبي، وذاكرتي!