سلامة المزروعي: أجسد قوة وعطاء «ابنة الإمارات» في لوحاتي
أمام لوحة تتشكل خطوطها الأولى.. تتلمس الرسامة الإماراتية، سلامة المزروعي، الفكرة بعينيها قبل أن تنقلها بالفرشاة، إنها لحظة تتلاقى فيها الرؤية بالخبرة والهوية، حيث كل وجه وزخرفة ولون، تروي تجربة المكان والإنسان، وتجسد صوت المرأة الإماراتية القوي والحاضر في كل تفاصيلها. فمن دقة البورتريه الواقعي، إلى التجريب بالخامات التراثية والتقنيات المعاصرة، صنعت سلامة لغة بصرية متكاملة، تعكس شخصيتها، وتفتح للمتلقي مساحة للتأمل والتفسير.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، نرافقها في رحلتها الفنية؛ لنكتشف كيف تتحول اللوحة إلى مساحة تقول ببساطة: «هذه أنا».
-
سلامة المزروعي: أجسد قوة وعطاء «ابنة الإمارات» في لوحاتي
ماذا منحتكِ مرحلة البورتريه الواقعي الكلاسيكي، وكيف قادتكِ إلى البحث عن أسلوبكِ الخاص؟
البداية مع الواقعية كانت ضرورية جداً بالنسبة لي؛ لأنها درّبت عينيَّ على الملاحظة الدقيقة. فتعلّمت كيف أفهم بنية الوجه، وكيف ألتقط الفروق البسيطة في النظرات والتعبيرات، والأهم كيف أقرأ الحالة النفسية للشخص، قبل أن أترجمها بصرياً. هذه المرحلة منحتني الانضباط والصبر واحترام التفاصيل. وبعد سنوات؛ شعرت بأنني أرسم بإتقان، لكن العمل لا يحمل رؤيتي. هنا، بدأت مرحلة التحوّل؛ فأدخلت خامات من بيئتي، واستحضرت رموزاً من هويتي، وتخلّيت عن فكرة «النسخة المطابقة للواقع»؛ لصالح «رؤية شخصية للواقع».
ذاكرة واحدة
كيف تحوّلين الوجوه والزخارف والطبيعة والخامات التراثية إلى لغة بصرية متكاملة؟
لا أرى هذه العناصر متباعدة، بل أراها أجزاء من ذاكرة واحدة. فالوجه يمثل الإنسان، والزخارف تمثل الثقافة، والطبيعة تمثل المكان. وعندما أجمعها في عمل واحد؛ أشعر بأنني أبني هوية متكاملة لا مجرد تكوين جمالي. غالباً، أبدأ بفكرة واضحة: إحساس معين، أو ذكرى، أو تأمل في مفهوم كالانتماء، أو القوة، أو الحنين. وأبني التكوين حول هذه الفكرة، ثم أسمح للعناصر بأن تتحاور معاً؛ حتى تتشكل اللغة البصرية بطريقة معاصرة. وبعد اكتمال اللوحة، أترك مساحة للتأويل؛ لأنني أؤمن بأن الفن الحقيقي لا يقدّم إجابة واحدة، بل يفتح باباً للتجارب الشخصية لدى المتلقي.
-
سلامة المزروعي: أجسد قوة وعطاء «ابنة الإمارات» في لوحاتي
اللون والخامة عنصران أساسيان في تجربتكِ.. كيف تختارين مفرداتكِ اللونية؟
اللون، بالنسبة لي، ليس قراراً جمالياً فقط، بل قرار شعوري ونفسي. فألواني مستمدة من البيئة، التي نشأت فيها: درجات الرمل، وزرقة البحر، وألوان الأقمشة الشعبية، ولمعان اللؤلؤ؛ هذه العناصر تشكل مخزوني البصري والوجداني؛ لذلك تظهر - بشكل طبيعي - في أعمالي. أما الخامات فكل واحدة منها وسّعت فهمي للرسم؛ فالألوان المائية منحتني الحرية والعفوية؛ لأنها لا تقبل السيطرة الكاملة. والألوان الزيتية علّمتني الصبر، وبناء الطبقات ببطء. بينما الكولاج والخامات التراثية؛ أضافت ملمساً حقيقياً، وعمقاً ثقافياً، إلى العمل. هذا التنوع جعلني أكثر مرونة، وأتاح لي اختيار الوسيط الذي يخدم الفكرة، بدلاً من تقييد نفسي بخامة واحدة.
حضور المرأة في لوحاتك واضح وقوي.. ما الصورة التي تحرصين على تقديمها عنها؟
أرفض أن تكون المرأة في اللوحة مجرد عنصر جمالي، أو زخرفي؛ فهي لديَّ محور الحكاية. أرسمها كرمز للعطاء، وللقوة الهادئة، وللصبر، وللقدرة على الاحتواء، وصناعة الحياة. كما أحاول أن أُظهر عمقها الداخلي أكثر من مظهرها الخارجي؛ نظرتها، وصمتها، وحضورها الواثق. إنني أريد للمشاهد أن يرى المرأة ككيان كامل: عقل، وروح، وتجربة. هذه الرؤية نابعة من الواقع، الذي أعيشه، ونماذج النساء من حولي.
-
سلامة المزروعي: أجسد قوة وعطاء «ابنة الإمارات» في لوحاتي
بعد أكثر من 100 معرض ومشاركة دولية.. كيف تحافظين على شغف البدايات؟
أتعامل مع كل تجربة كأنها بداية جديدة؛ فكثرة المعارض لا تعني الوصول، بل تعني مسؤولية أكبر لمواصلة التطور. إن مشاركاتي في فعاليات فنية، مثل «World Art Dubai وArt Innsbruck» عرّفتني بمدارس وأساليب مختلفة، وهذا الاحتكاك الدائم يدفعني إلى مراجعة نفسي، وتجريب أفكار جديدة؛ لأنني أؤمن بأن الفنان إذا شعر بالاكتفاء؛ فإنه يتوقف عن النمو؛ لذلك أضع نفسي دائماً في منطقة التحدي، والتعلم.
دعم.. وفرص
دوركِ ملحوظ في التدريب وورش العمل.. ماذا يعني لكِ نقل الخبرة، وكيف تنظرين إلى واقع الفنانة الإماراتية اليوم؟
نقل الخبرة مسؤولية قبل أن يكون خياراً؛ فالفن الذي لا تتم مشاركته يذبل. عندما أدرّب فنانات شابات، وأراهنَّ يكتشفن أدواتهن الخاصة، أشعر بأن التجربة الفنية تتضاعف، وتصبح أكثر قيمة. أما المشهد الفني في الإمارات، فهو واعد جداً من حيث الدعم والفرص، خاصة للعنصر النسائي، حيث تواصل مؤسسات الدولة تعزيز منصات العرض المستدامة، وبرامج احتضان المواهب، بما يضمن للمرأة الإماراتية الاستمرارية؛ فالاستقرار يسمح للفنانة ببناء مشروع فني حقيقي، يصل إلى العالم بثقة.
أخيراً.. متى تقولين عن اللوحة: «هذه أنا»؟
عندما أصل إلى لحظة هدوء داخلي، وأنظر إلى العمل؛ فأشعر بأن كل عنصر فيه صادق، ولا أرغب في إضافة شيء، أو حذف آخر؛ عندها أشعر بأن اللوحة تتحدث بلغتي أنا، وتعكس رؤيتي للإنسان والحياة دون تكلّف، في تلك اللحظة أعرف أنني لم أرسم ما أراه فقط، بل ما أشعر به.. وأقول ببساطة: «هذه أنا»!