تواصل «جائزة الشيخ زايد للكتاب» رسالتها المعرفية، بوصفها منصة عالمية، تحتفي بالإبداع العربي، وتسهم في توسيع حضوره بالفضاء الدولي، عبر رؤية استراتيجية جعلت الثقافة رافعة للتنمية، ومجالاً رحباً للحوار الحضاري.
واحتفاءً بدورة الجائزة العشرين (2006 - 2026)، واستكمالاً لمسيرة عقدَيْن من العمل الثقافي المؤسسي المتواصل، منذ انطلاقتها عام 2006.. أعلن «مركز أبوظبي للغة العربية»، التابع لـ«دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي»، أسماء الفائزين في فئات الدورة العشرين من «جائزة الشيخ زايد للكتاب»، التي تجسد مبدأ راسخاً، لطالما آمن به الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مفاده أن الثقافة والمعرفة ركيزتان تُبنى عليهما المجتمعات والدول.
ومع الإعلان عن الفائزين بدورة الجائزة الجديدة، تبرز «جائزة الشيخ زايد للكتاب» منصةً رائدة؛ لتكريم أبرز الإبداعات الأدبية، والمؤلفين، والكتاب في عصرنا، وتكرّس كافة السبل والأدوات؛ لدعم عجلة الأدب والنشر والترجمة إقليمياً وعالمياً، حيث جمعت - على مدى سنوات انعقادها - 136 شخصية مكرّمة من مختلف أنحاء العالم، في حوارٍ متجدد مع الفكر والإبداع العربيين، ما يعكس التزام أبوظبي الراسخ بتعزيز التبادل الثقافي، وتعزيز الحضور العالمي للإبداع والمعرفة.
وسيُكرَّم الفائزون بالجائزة، وشخصية العام الثقافية، في حفل ينظمه «مركز أبوظبي للغة العربية»، سيُعلن عن موعده لاحقاً، ويحصل الفائز بجائزة «شخصية العام الثقافية» على ميدالية ذهبية، وشهادة تقدير، وجائزة مالية بقيمة مليون درهم، وينال الفائزون، في الفروع الأخرى، ميداليات ذهبية وشهادات تقدير، وجوائز مالية بقيمة 750,000 درهم، تكريماً لإسهاماتهم الفكرية، والإبداعية.
وفي فرع الآداب، فاز الكاتب أشرف العشماوي (مصر)، عن روايته «مواليد حديقة الحيوان»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2024، وهي رواية تستلهم تقاليد الواقعية العربية، غير أنها تعيد تقديمها برؤية إنسانية معاصرة، وأدوات سردية متجددة، إذ يقدّم العمل قراءة اجتماعية ونفسية معمّقة للإنسان المصري في تحولات وعيه، وعلاقته بالمجتمع والذات، من خلال شخصيات نابضة بالحياة، تمثل أطيافاً مجتمعية وثقافية متعددة. وتنهض الرواية على تفاصيل يومية دقيقة، تتحول إلى حوامل لذاكرة جمعية، في توازن بين حس تاريخي خافت وخيال فني منضبط، ما يمنح النص بُعداً توثيقياً وجمالياً في آنٍ، ويجعل منه إضافة نوعية إلى مسار الرواية العربية الحديثة، التي تجمع بين متعة السرد، وعمق التأمل.
وعن جائزة المؤلف الشاب، فاز الباحث مصطفى رجوان (المغرب)، عن كتابه «حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية»، الصادر عن دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عام 2025، ويأتي هذا العمل في سياق الاتجاهات النقدية المعاصرة، التي تستعيد البلاغة بوصفها أداة تحليلية فاعلة في قراءة السرد الحديث، إذ يقدّم تأصيلاً نظرياً يستحضر التراث البلاغي العربي، ويُدخله في حوار مع المنجز الغربي، قبل أن ينتقل إلى تحليل تطبيقي، يكشف آليات بناء الحبكة، وتشكيل الشخصيات من منظور حجاجي منهجي. ويسهم الكتاب في تطوير البلاغة العربية الحديثة، ويُعيد الاعتبار لها كعلم حي قادر على قراءة الأدب المعاصر.
أما عن فرع الترجمة، ففازت الباحثة نوال نصر الله (العراق/ الولايات المتحدة الأميركية)، عن ترجمتها من «العربية» إلى «الإنجليزية» كتاب «أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة»، الصادر عن دار نشر بريل عام 2025، وهو نص من القرن الثالث عشر في أدب الطعام، ظل طويلاً رهين تعقيدات مخطوطاته. وقدمت المترجمة عملاً علمياً متكاملاً، لم يقتصر على النقل اللغوي، بل اعتمد تحقيقاً نقدياً لعدد من النسخ المخطوطة، وعالجت فيه اختلافاتها بمنهج «فيلولوجي» دقيق، مع المحافظة على المصطلحات المختصة بثقافة الطعام، وطرائق صناعته، وسياقاته الثقافية والطبية والمادية الأوسع. وبهذا الجهد، أعادت إحياء نص تراثي إشكالي، وأتاحته للقارئ العالمي في صيغة علمية رصينة، تجمع بين الأمانة والوضوح.
وعن فرع الفنون والدراسات النقدية، فاز الكاتب الأردني الدكتور زهير توفيق، عن كتابه «إدراك العالم: الصور النمطية المتبادلة بين الأنا والآخر»، الصادر عن الآن ناشرون وموزعون عام 2025، وهو دراسة تحليلية، تتبّع تشكّل الصور النمطية في الوعيين العربي والغربي عبر التاريخ، منذ العصور الوسطى، وصولاً إلى الاستشراق الحديث. ويبيّن الكتاب أن تمثلات الآخر ليست نتاج لحظة عابرة، بل ثمرة تراكم ثقافي شاركت في صياغته مصادر دينية وأدبية وفكرية متعددة. وتكمن أصالته في مقاربته، التي تنظر إلى الآخر؛ بوصفه عنصراً بنيوياً في تشكّل الذات العربية، متجاوزاً الثنائيات الحادة، ومقدماً قراءة متوازنة تكشف تمثلات متبادلة ومتغيرة، ما يسهم في تعميق فهم العلاقة بين الهوية والتمثيل الثقافي.
وفاز بجائزة الثقافة العربية في اللغات الأخرى الكاتب والمترجم والباحث، شتيفان فايدنر (ألمانيا)، عن كتابه «الديوان العربي: أجمل القصائد من العصر الجاهلي وبعده»، الصادر عن دار نشر دي أندِره بيبليوتيك عام 2024، باللغة الألمانية، والذي يُعد من أوسع مختارات الشعر العربي القديم في الفضاء الألماني منذ القرن التاسع عشر، إذ يضم نحو 1,000 بيت مترجمة ترجمةً تحليلية حديثة، ومصحوبة بتعليقات ومقدمة موسعة، تضع النصوص في سياقها التاريخي والجمالي. ولا يقتصر العمل على تقديم «أنطولوجيا شعرية»، بل يتحول إلى مشروع ثقافي، يُعيد قراءة الشعر العربي في ضوء الأسئلة الإنسانية المعاصرة، مؤكداً حضوره كإرث حي قابل لإعادة الاكتشاف.
وفي جائزة النشر والتقنيات الثقافية، فازت «مؤسسة الإمارات للآداب» (الإمارات)؛ تقديراً لدورها الريادي في تطوير صناعة الأدب، وتعزيز حضور الثقافة الإماراتية إقليمياً وعالمياً. إذ تمكنت «المؤسسة»، منذ تأسيسها عام 2013، على يد الكاتبة والناشطة الثقافية إيزابيل أبو الهول، من بناء منصة متكاملة لدعم القراءة والكتابة، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وترسيخ مكانة دولة الإمارات مركزاً حيوياً للأدب، والفكر.
وعن فرع المخطوطات والموسوعات والمعاجم، فاز الأستاذ الدكتور محمد الخشت (مصر)، عن موسوعة «الأديان العالمية» في 6 مجلدات، الصادرة عن جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية عام 2025، وهي موسوعة تقدم معالجة شاملة للأديان والملل والمذاهب، في إطار منهجي يتجاوز العرض الوصفي إلى تحليل السياقات التاريخية والفلسفية للظواهر الدينية. وتَبْرز أهميتها في إظهار المساحات المشتركة بين الأديان، وترسيخ «مفهوم التعددية»، بما يعزز قيمتَي: التسامح، والتعايش، ويجعل منها مرجعاً علمياً يفتح آفاقاً بحثية جديدة في حقل «مقارنة الأديان».
فيما نالت النجمة المصرية القديرة نجاة الصغيرة «جائزة شخصية العام الثقافية»، وتعد إحدى أبرز القامات الغنائية في العالم العربي، حيث شكلت - بصوتها الدافئ، وإحساسها المرهف - مدرسة فنية متفردة، أسهمت في ترسيخ الأغنية العربية الكلاسيكية الحديثة، وقدمت عبر مسيرتها عدداً كبيراً من القصائد المغناة، ما أسهم في تعزيز حضور اللغة العربية في الوجدان، وترسيخ محبتها لدى الأجيال المتعاقبة، كما صنعت إرثاً غنياً من الأعمال الخالدة، التي لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجمعية، ما يعكس عمق تأثيرها في الثقافة الموسيقية العربية، واستمرار بصمتها عبر الزمن.
وشهدت الدورة العشرون (2026) مشاركة واسعة، تجاوزت الـ4,000 ترشيح، من 74 دولة، ما يعكس المكانة المرموقة، التي تحظى بها «الجائزة» على الساحة الثقافية الدولية، ويؤكد أثرها المتنامي في دعم الإبداع، وتوسيع دوائر التأثير الثقافي لدولة الإمارات، وترسيخ حضور الأدب العربي صوتاً فاعلاً في الثقافة العالمية.
وشكّلت «جائزة الشيخ زايد للكتاب»، على مدى عقدَيْن، علامة ثقافية بارزة في العالم، ومنصة عالمية لتعزيز حضور الأدب العربي في اللغات الأخرى، مستندة إلى معايير علمية رصينة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى، وعكست الأعمال الفائزة، في هذه الدورة، عمقاً في الطرح، وصلابة في المنهج، وجماليات عالية في التعبير، ما يؤكد دورها في تطوير أدوات الكتابة والبحث عربياً، وتجديدها.