هل نعيش زمنًا تتزاحم فيه المعلومات؛ حتى تكاد تلتقينا وجهًا لوجه؟!

بمجرد أن نفتح هواتفنا، ينهمر علينا سيل لا يتوقف من المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ بأصوات متعددة، وأساليب متباينة، تراوح بين الرصين والعميق، وبين السطحي والمشوِّش. وفي هذا التدفق، نجد أنفسنا، أحيانًا، أمام جانب مضيء، يثري وعينا، ويُلهمنا. لكننا، في أحيان كثيرة، ننزلق إلى مساحة من التشويش الذهني، والضغط النفسي.

نفتح شاشاتنا؛ فنجد مَنْ يخبرنا بما يجب أن نأكل، وكيف نعيش، وكيف نربي أبناءنا، بل وحتى كيف نفسّر ماضينا، ونعيد تقييم علاقاتنا. ومع هذا الحضور الطاغي، يَبْرز سؤال ملحّ: كيف تحوّلت هذه المنصات إلى مصدر يومي للتوجيه، وأحيانًا للضغط؟.. ومتى أصبح هذا الفضاء مفتوحًا لكل مَنْ يقدّم رأيًا، بغضّ النظر عن عمقه، أو مسؤوليته؟!

نصائح تُقدَّم بثقة عالية، تحت مسميات غير واضحة، مثل: خبراء، أو مختصين، أو مجرد أشخاص يمتلكون حضوراً مقنعاً. والمشكلة ليست في النصيحة، بل في حجم التأثير، الذي تُحدثه بداخلنا.. لكن الحقيقة البسيطة، التي نتجاهلها: «ليس كل ما يُقال.. يصلح للجميع!».

خلف كل شاشة، هناك إنسان مختلف، في ظروفه، وتاريخه، وحساسيته. وما يبدو حلاً بسيطاً لشخصٍ، قد يكون عبئاً نفسياً على آخر. وما يُقدَّم كتجربة ناجحة، قد يتحوّل - عند غيره - إلى شعور بالنقص، أو الفشل. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المتلقي، أحياناً، لا يميز بين محتوى وآخر، وقد ينساق - وبتأثرٍ - نتيجة هذا الكم الهائل من المحتوى، والنصائح.

إن الأخطر، اليوم، ليس في أن نتأثر، بل في أن نُعيد تشكيل أفكارنا ومشاعرنا؛ بناءً على محتوى سريع، ومختصر، ومجرّد من سياقه. لقد أصبحنا نرى مَنْ يقدّم أنماط حياة قاسية دون معرفة، ومَنْ يطرح تحليلات نفسية عميقة تختزل سنوات من التجارب في دقائق؛ فتدفع البعض إلى إعادة النظر في علاقاتهم، أو حتى الحكم على ماضيهم.. بعيون ليست لهم!

ورغم أنَّ بعض هذا المحتوى ذكي ومقنع، إلا أن الإقناع لا يعني المصداقية دائمًا. ففي زمن كثُر به الكلام؛ أصبح الوعي مسؤولية شخصية:

أن نتوقف، قبل أن نُطبّق..!

أن نسأل، قبل أن نقتنع..!

وأن نُدرك أنه ليس كلُّ مَنْ يتحدث مرجعاً!

الحكمة، اليوم، ليست في أن نسمع أكثر..!

بل في أن نختار مَنْ يستحق أن نسمع له..!