وفاء الفلاحي: الفن مساحتي لفهم نفسي
رئيسة التحرير: نسرين فاخر / مديرة التحرير: لبنى النعيمي
بين ما يُرى، ويُحسُّ.. تبني الفنانة الإماراتية الشابة المتعددة التخصصات، وفاء الفلاحي، عالماً خاصاً بها، لا يخضع للمنطق بقدر ما ينصت إلى الحدس. ففي تجربتها الفنية، التي تمتد بين: الرسم، والنحت، وتجريب المواد، لا تبدو الأعمال نتاجاً بصرياً مكتملاً، بقدر ما تشبه حالات عابرة بين الحلم والذاكرة، وبين الطفولة وما تركته من أثر، وبين النضج وما يحمله من أسئلة. ومن خلفية في التصميم الداخلي، انتقلت الفلاحي إلى ممارسة فنية أكثر تحرراً، حيث لم تعد المساحة مجرد بناء، بل أصبحت شعوراً يمكن تشكيله، وشريكاً يكشف لها عن ذاتها، بقدر ما تُعيد هي تشكيله. وفي أعمالها، تتلاشى الحدود: الإنسان يجاور الكائن، والبراءة تلتقي الغرابة، والملموس يتقاطع مع ما لا يمكن تسميته.. في هذا الحوار، تتصدر وفاء الفلاحي غلاف «زهرة الخليج»، متألقة بمجموعة صيف 2026، من «ميو ميو» (Miu Miu)، العلامة الإيطالية الفاخرة؛ وتكشف لنا كيف تتحول المشاعر إلى مادة، وكيف تصنع فنانةٌ إماراتيةٌ شابة لغتها الخاصة، خارج كل تعريف جاهز:
-
سترة من جلد السويد المعالج بالشمع. - توب كروشيه. - وشاح حريري مطبّع. - حقيبة «Vivant»، من جلد النابا.. جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
حدثينا عن نفسكِ.. بعيداً عن المعارض، والمسيرة المهنية!
خارج إطار ممارساتي الفنية، أرى نفسي إنسانة حدسية إلى حد كبير؛ فأعيش في تأمل دائم لما يحيط بي، وأتحرك في الحياة بقدر عالٍ من الحساسية والفضول. ولا تشدّني الأشياء السطحية؛ وإنما يشغلني البحث عن المعنى، وعن روابط أعمق، تجعلني أنسجم مع ذاتي، والعالم. وأجد نفسي، أيضاً، في التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة للآخرين؛ كالعناية بالكائنات الضعيفة، في لفتة إنسانية صادقة، أو في لحظة هدوء تكشف لي شيئاً خفياً.. ربما طريقة إحساسي هذه تسبق الفن لديّ، وتوجّهني قبل أن تتحول الفكرة إلى عمل.
مسار التشكّل
كيف بدأت رحلتكِ الفنية، وما الذي لا يزال يسكن أعمالكِ من مرحلة الطفولة؟
بدأت رحلتي من رغبة داخلية في توسيع مساحتي الإبداعية، بعد دراستي وممارستي للتصميم الداخلي؛ كأن الفن كان امتداداً طبيعياً لما كنت أبحث عنه. لم يكن القرار لحظياً أو مفاجئاً، بقدر ما كان تحوّلاً تدريجياً نحو مساحة أشعر فيها بقدرتي على التعبير بحرية أكبر. ودائماً في أعمالي، أحرص على الاحتفاظ بتلك الروح الطفولية القائمة على اللعب والاستكشاف، لكنها تتقاطع مع إحساس هادئ بالوحدة، ربما تشكّل منذ طفولتي؛ كوني طفلة وحيدة. هذه العزلة لم تكن سلبيةً؛ لأنها منحتني مساحة للتأمل العميق، وللإنصات إلى مشاعري.
-
جاكيت دنيم بلوزون. - قميص بوبلين. - بنطال جينز دنيم. - وشاح حريري مطبّع. - بوت قصير من الجلد. - حقيبة «Arcadie» مبطّنة، من جلد النابا.. - جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
كفنانة.. ما اللحظة التي جعلتكِ تأخذين نفسكِ على محمل الجد؟
فنانون كثيرون يتحدثون عن لحظات حاسمة غيّرت علاقتهم بفنهم، وأعتقد أن لحظتي تلك كانت عندما جربت العمل على «عجلة الخزف» للمرة الأولى؛ فقد كان هناك نوع من الاتصال الفوري مع الطين، كأنني أتعامل مع مادة حيّة، تستجيب لي بقدر ما أستجيب لها. تلك التجربة لم تكن مجرد تقنية جديدة تعلمتها، بل كانت شعوراً بالانغماس الكامل في العملية نفسها، حيث تصبح الحركة، واللمس، والوقت، جزءاً منها. عندها، أدركت أن ما أبحث عنه ليس مجرد إنتاج عمل فني، بل اختبار علاقة حقيقية مع المادة، ومع نفسي أيضاً.
كيف كان حضور العائلة في هذه الرحلة، وهل تلقيتِ دعماً منذ البداية؟
عائلتي كانت، دائماً، حاضرة دعماً واحتواءً، مهما تغيّرت ملامح مساري، أو تنوّعت اتجاهاته. فلم أشعر، يوماً، بأن عليّ تبرير خياري أو الدفاع عنه، بل كان هناك تقبّل وثقة بما أفعله، حتى في المراحل، التي كانت خلالها مسيرتي لا تزال في طَوْر البحث، والتشكّل. هذا النوع من الدعم منحني حرية التجربة، فكنت قادرة على الاقتراب من نفسي، وعملي، بصدق أكبر.
-
سترة من جلد السويد المعالج بالشمع. - قميص بوبلين. - سترة كارديغان من الكشمير. - وشاح حريري مطبّع.. جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
إلى أيِّ مدى أثرت الروابط العائلية في حساسيتكِ الفنية؟
في تاريخ عائلتي، هناك الكثير من الذكريات، التي تركت أثراً عاطفياً واضحاً بداخلي، يتسرّب إلى أعمالي بشكل غير مباشر. أحياناً، يظهر ذلك في شكل حنين إلى ما كان، أو محاولة لاستعادة لحظات بعينها، وفي أحيان أخرى كإعادة صياغة لذاكرة قديمة، أو لإحيائها بطريقة مختلفة. لكنني لا أتعامل مع هذه الروابط كموضوع مباشر، بل كطبقة شعورية خفية تلازمني، وتؤثر في الطريقة التي أرى بها الأشياء، وفي الحساسية التي أحملها تجاه التفاصيل، والمشاعر.
بحث عن المعنى
في أعمالكِ حضور للعديد من المواد، فماذا تكشف لكِ أثناء العمل؟
أستخدم مواد عدة، مثل: الطين، والورق المعجّن، والمواد الحيوية، إضافة إلى تجارب مرتبطة بصناعة الأثاث والخامات القريبة من التكوين العضوي. هذا التنوع يفتح أمامي طرقاً مختلفة للتعبير، ويجعل لكل عمل إيقاعه الخاص. إن استخدام هذه المواد علمني الصبر بطريقة لم أكن أتوقعها، وجعلني أكثر وعياً بالزمن، الذي يتطلبه أي عمل ليتشكّل. كما منحني ذلك البُعْدَ الجسدي، الذي كنت أبحث عنه، حيث تصبح العلاقة مع العمل ملموسة، وحاضرة، بتفاصيلها كافة. كما أن طبيعة هذه المواد، بحريتها وتدفّقها، تدفعني إلى التخلي عن فكرة السيطرة الكاملة، وتفتح أمامي احتمالات غير متوقعة.
بين الداخل.. والخارج
في أعمالكِ، تتداخل الحدود بين: الإنسان والحيوان والحلم والذاكرة، فما الذي يشغلكِ في هذه المنطقة؟
أرى أن جوهر الحياة يكمن في المساحات البينية بين الأشياء المتناقضة؛ فالعالم - بالنسبة لي - قائم على ثنائيات، لكنَّ المعنى الحقيقي يتولد في المنطقة التي تفصل بينها.
-
كنزة «بولو» من الصوف. - كنزة بياقة دائرية. - قميص بوبلين. - بنطال موهير ناعم. - حزام جلدي.. جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
كيف تبدئين أعمالكِ.. عادة؟
تختلف نقطة البداية من عمل إلى آخر، لكن ما يجمع بينها، دائماً، هو ذلك الدافع الداخلي لمحاولة الإمساك بشيء يقع في «المنطقة بين»، شيء غير مكتمل التعريف، أو يصعب التعبير عنه بشكل مباشر. لكن، غالباً أنطلق من حالة شعورية، ثم أحاول ترجمتها إلى مادة، يمكن أن تُلمس، أو تُرى.
بين أعمالك.. هل هناك عمل أقرب إلى روحكِ؟
لا أمنح قيمة عاطفية خاصة لعمل دون آخر؛ لأن كل عمل لديَّ كان مهماً لحظةَ إنجازه، وانعكاساً مباشراً لحالتي النفسية، والجسدية، وقتها. ربما لهذا السبب أتعامل مع أعمالي كمسار متصل، لا كمحطات منفصلة، حيث يحمل كل عمل أثراً من مرحلة عشتها، أو شعوراً مرَّ بي. في هذه الرحلة، خضت تجارب فنية كان لها أثر مهم في تطور ممارستي، كإقامتي الفنية في «المجمع الثقافي» بأبوظبي، ومشاركتي في برامج بارزة، مثل: «أثاث» (2022)، و«تنوين» من «تشكيل» (2023)، و«زمالة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين» (2024–2025). كما قيّمت، عام 2024، معرض «تصميم: صندوق الذاكرة» في «ICD Brookfield Place» بدبي، وشاركت بأعمالي في «أسبوع دبي للتصميم» (معرض المصممين الإماراتيين 5.0)، ومعرض «Maison&Objet» في باريس.
-
جاكيت موهير ناعم. - قميص كاروهات. - وشاح حريري مطبّع.. جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
«تنوين»، و«زمالة سلامة بنت حمدان».. كيف أثرت فيكِ مثل هذه التجارب؟
منحتني هذه البرامج مساحة للتجريب بحرية، بعيداً عن الخوف من الفشل؛ فقد كانت بمثابة حاضنات لأفكاري، وساعدتني في تحويلها إلى واقع، كما أهدتني صداقات ما زلت أعتز بها.. حتى اليوم!
تشاركين بعرض فردي، ضمن «آرت دبي 2026».. كيف ترين هذه التجربة؟
هذه مشاركتي الأولى في «Art Dubai»، وجاءت مع غاليري «Hunna»، وهو معرض لطالما أحببته كزائرة؛ لذلك أشعر بسعادة خاصة؛ لكوني جزءاً منه اليوم. هذه المجموعة تمثل امتداداً لتجربتي، وفي الوقت نفسه تعكس تحوّلاً في لغتي الفنية؛ نتيجة ما مرَّ بي من تجارب، خلال الفترة الماضية. لذلك، أرى فيها نَفَساً جديداً؛ لما اشتغلت عليه خلال العام الأخير، مع حضور أكبر للتفاصيل، وتعقيداتها، إضافة إلى تركيز أوضح على البُعْد الحسي في العمل، وهو جانب أساسي في ممارستي. إنني ممتنة جداً؛ لتمثيلي من قِبَل «Hunna»، وللدعم المستمر الذي يدفعني، دائماً، إلى تطوير عملي.
-
جاكيت بلوزون من قماش الغبردين. - كارديغان «بولو» من الصوف. - قميص كاروهات. - وشاح حريري مطبّع. - حقيبة «Wander» مبطّنة من جلد النابا.. - جميعها من «ميو ميو» (Miu Miu).
ما الذي منحكِ إياه المشهد الفني في الإمارات؟
منحني هذا المشهد دعماً حقيقياً على أكثر من مستوى، سواء من خلال الفرص، أو البرامج التي شاركت فيها. فهذه البيئة وفّرت لي مساحة للتجريب بحرية، وللعمل بجرأة وثقة أكبر. أنا ممتنة جداً لهذا الدعم المستمر، الذي كان له أثر واضح في تطور تجربتي، وتعزيز ثقتي بما أقدّمه.
هوية بصرية
ما الذي تتمنين أن يخرج به المتلقي من أعمالكِ؟
أتمنى أن تلامس أعمالي مشاعر المتلقي، وأن تترك لديه أثراً أعمق؛ لأنني أحمّلها تساؤلاتي الشخصية حول الحياة والموت، وربما أفعل ذلك تخفيفاً لرهبة فكرة الفناء. كما أريد للمتلقي أن يشعر بأنه أمام شيء إنساني وعام، وفي الوقت ذاته شخصي جداً.
-
حقيبة «Vivant» من جلد النابا.. من «ميو ميو» (Miu Miu).
كيف ترين علاقتكِ بالأزياء؟
أرى الأزياء وسيلةَ تعبيرٍ وتواصلٍ، لا تقل أهمية عن أي لغة أخرى؛ فقد كانت، دائماً، مساحة أختبر من خلالها نفسي، وأعيد تعريف صورتي أمام العالم. منذ مراهقتي، تعاملت مع أسلوبي الشخصي كمساحة مفتوحة للتجريب، ومررت بمراحل عدة، حاولت خلالها التعبير عن نفسي. ومع الوقت، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالمظهر، بل بفهم أعمق لهويتي، وللصورة التي أريد أن أقدمها، وكيف يمكن لتفاصيل الثوب الصغيرة أن تعكس ما لا يُقال بالكلمات.
هل لديك طقوس خاصة، قبل بدء العمل؟
مرسمي، غالباً، يكون في حالة فوضى مستمرة، تلك الفوضى تعكس إيقاع عملي، وحضوره اللحظي. فأنا، دائماً، في حالة حركة، متنقّلةً بين المواد والأفكار، وفي الوقت نفسه أحتفظ بإحساس داخلي بالترتيب؛ كأن لكل شيء مكانه، حتى وسط هذا التداخل. ربما هذه «الفوضى المنظمة» هي التي تمنحني حرية العمل، خاصة عندما أتنقل بين أكثر من وسيط في الوقت ذاته، حيث يصبح كل شيء مفتوحاً على الاحتمال، والتجربة.
-
حذاء سنيكرز «Drill».. من «ميو ميو» (Miu Miu).
ما الجملة، التي تختصرين بها مشروعكِ الفني؟
أرى ممارستي الفنية بحثاً مستمراً في حالات وجودية، تتلاشى فيها الحدود بين الداخل والخارج، وتتشكّل الأجساد والمواد بشكل مرن، وتظهر من خلال الحدس والتحوّل، في محاولة لالتقاط شيء إنساني عميق، يصعب تعريفه بشكل مباشر.