من ذاكرة القلب، تداعت تفاصيل واقعة التصاقنا بالطين، فهل للقلب ذاكرة؟!.. بالطبع، ذاكرة تُستشعر بنبض متسارع، وخفق لامع، ووحدها خلايا الجسد ترى ذلك اللمعان الجوفيَّ العميق.
بمجرد أن وقعت عيناي على لوحة «الخلاص»، للفنانة التشكيلية الأميركية تريزا إليوت، تداعت ذاكرة قلبي نحو واقعة، تكاد تتشابه مع حالة الصِّبْيَة النائمين بهناء غامض في طين اللوحة، كأنهم في سباحة حُرّة داخل حوض الماء. في اللوحة، كان الطين اللزج يلطخ أجسادهم، فيمنحهم لمعاناً واغتسالاً وتوهجاً، كأنهم وُلدوا من الشمس، وأنبتهم الطين. ولا شك في أن الناظر إلى تفاصيل اللوحة، تعتريه أحاسيس متضاربة، من: الحنان والحزن والخوف والأمان والحنين والعطف.. وربما يبدأ تمييز الشعور مع وجود تقاطع تذكاريّ ما!
الذاكرة الطينية، التي بدأتُ «أحدسُ» بها، هي تلك الحادثة الطفولية الغريبة، التي وقعت في قريتنا قبل ربع قرن. حينها، كنتُ طفلةً، يجتهدُ خيالها في وضع خرائط كونية للجبال والبحار والأشجار والظلال. وقتها، كانت «بيوتنا الجلفارية» أصغر كثيراً، وتلتصق - بحنان - بأرض السهل الواسع، الفاصل بين البحر والجبل.. سهل تمتزج فيه الأبعاد، وتتحدُ فيه أمزجة التربة، سهل ملحي حصوي سبخي رمليّ، يعشوشب - بطراوته - شتاءً بنبات القلمان، والحميض، والخبيز.
لطالما تأملنا - بشوق - جبلنا الكبير الواقف على السهل، وأغرتنا رغبات التوجه إليه، ولعل أيَّ زائر جديد للقرية، بمجرد أن يلمح الجبل؛ سيظنه على بُعْد خطواتٍ، لكنه أبعد كثيراً مما يُتصور. وقد كان السهل - رغم امتداده، وانفتاحه المهيب في الفراغ العظيم والغامض - هو الحدُّ نفسه، الذي يجعلنا نرتعد بمجرد أن نطلق فكرة المشي إلى الجبل، الذي ما فتئ يحرضنا على تجسيد فكرة المضي نحوه، بكل إصرار وتحدٍّ.
وقد حدث ما خططتْ له «المخيلة الطفولية» الجامحة للاكتشاف، فبمجرد أن جاء «موسم الحج» في السنة التي خرج خلالها أكثر آبائنا وأمهاتنا من القبيلة، عازمين على أدائهم الجماعيّ للمناسك، تاركين أطفالهم تحت رعاية الجدّات، اللاتي عززن - بحكاياتهن - مخيلتنا، وحرضن أرواحنا (دون إدراك منهن طبعاً) على المشي الحُر إلى الجبل.
انطلقنا مع الفجر، وكلٌّ منا موكَّل بحمل متاعه الخاص، من طعام وألعاب صغيرة؛ ظننا أنها جلُّ ما يلزمنا، وقد كانت متعة الطريق لا توصف، وسعادتنا - بأننا نسير معاً في رحلة حُرة من الآباء - لا يمكنني تحديد وصف دقيق لها هنا.
كانت رقابنا تجمح للجبل؛ كلما استشعرنا ملل الدرب وتعبه، وحين وصلنا إلى نهاية السهل؛ بدا ظلُّ الجبل المهيبُ ماداً نفسه حتى منتصف السهل، فحمى أجسادنا من أشعة الشمس الملتهبة. وكنتُ في حالة ذهول وشرود عميق بجلال مشهد الجبل، وظله العظيم، في حين أن الصبية اندفعوا راكضين بصيحات الفرح، كأن معجزة ما قد تحققتْ أمامهم، وما إن وصلوا إلى أقدام الجبل؛ حتى احتجز الطين أقدامهم الصغيرة؛ فظلوا متعمدين التعلق به، مبهورين بلحظة اكتشاف الصلصال، وتساقطوا تباعاً في بحر الطين، وسبحواً طويلاً طويلاً.
كانت الأجساد الحنطية تلمع كالذهب، وتشبه السنابل الصغيرة اللامعة، وكان للضحك صدى عميق في الجبل.. وَحْدي وقفتُ هناك على التلة المطلة على بحيرة الطين، أراقبُ - بذهول - ضخامة الجبل. وكنتُ لا أدرك أنني وقفتُ - حينها - على قبر أحدهم.
اليوم، أدرك، تماماً، أن تلك التلال الطينية الصغيرة كانت مقابر قديمة جداً، وأن الصبية قد سبحوا بين طين هذه المقابر.
لم يَدْرِ أحدٌ من الآباء بأمر هذه الأقصوصة، أبداً لم يحصل ذلك. وقد مات أكثر آبائنا اليوم، وظلت لوحة السنابل الذهبية الضاحكة لامعة بشكل سريٍّ في روحي..!
طويلاً.. تساءلتُ، وأنا أبتسم للوحة تريزا إليوت: ألهذا الحد تشابهت ذاكرة قلبَيْنا؟!