سهيلة قائد: نُعد إنساناً قبل أن نؤهل طبيباً

بين صفحات الحياة المهنية والأمومة، وبين مسارات: التعليم، والقيادة، والخدمة المجتمعية.. عاشت الدكتورة سهيلة حسين قائد رحلة من الاجتهاد والشغف، بدأت بالطفلة التي حلمت بأن تصبح طبيبة، ونشأت على قيمتَي: حب الناس، وخدمة الوطن، اللتين غرسهما فيها والدها (أول ممرض في الإمارات). كبر الحلم؛ فمارست الطب، ثم و

بين صفحات الحياة المهنية والأمومة، وبين مسارات: التعليم، والقيادة، والخدمة المجتمعية.. عاشت الدكتورة سهيلة حسين قائد رحلة من الاجتهاد والشغف، بدأت بالطفلة التي حلمت بأن تصبح طبيبة، ونشأت على قيمتَي: حب الناس، وخدمة الوطن، اللتين غرسهما فيها والدها (أول ممرض في الإمارات). كبر الحلم؛ فمارست الطب، ثم وسّعت أثرها من العيادات إلى التعليم والتدريب، قبل أن تتولى إدارة التدريب والتعليم المستمر في «إسعاف دبي»، مع دورها كزوجة وأم، وتجربتها مع ابن من «ذوي التوحد»، فشكلت كل هذه المسارات جوهر رحلتها. تفتح الدكتورة سهيلة، لـ«زهرة الخليج»، أبواب حكايتها؛ لتشاركنا تجاربها، وتحدياتها، ودروسها في الحياة، في حوار يعكس شغفها بالعلم، وحسها الإنساني، معاً:

حدثينا عن رحلتك المهنية.. من العمل «الإكلينيكي»، إلى إدارة «إسعاف دبي»!

أعتبر هذه المرحلة امتداداً طبيعياً لمسيرة اجتهادي الطويلة في الطب والتعليم، حيث أتيحت لي الفرصة؛ لتطبيق خبراتي بشكل أوسع. لقد عملت لسنوات طويلة في الممارسة الطبية والتعليمية، ولم أتوقف عن التعلم والبحث. منذ تخرجي، كان هدفي أن أكون طبيبة، ومعلمة، في الوقت نفسه. اليوم، ومن خلال إدارة التدريب والتعليم المستمر، أساهم في رفع مستوى الكفاءات الطبية، وتخريج أطباء قادرين على خدمة المجتمع بكفاءة ومسؤولية، وهدفي الأسمى أن نُعِدَّ إنساناً قبل أن نؤهل طبيباً.

  • سهيلة قائد: نُعد إنساناً قبل أن نؤهل طبيباً

تطور.. وانتماء

بالنظر إلى بداياتك الدراسية.. ما أبرز القرارات التي صنعت ملامح شخصيتك؟

أصعب قرار واجهته كان الانتقال بمفردي إلى أيرلندا، بعمر 17 عاماً، والتكيف مع لغة وبيئة وثقافة جديدة، فتعلمت الاعتماد على النفس، وبناء الثقة، منذ الصغر. خلال تلك الفترة، انضممت إلى اتحاد الطلبة في المملكة المتحدة وأيرلندا، فاكتسبت كيفية قيادة الذات والآخرين، لتشريف صورة المرأة الإماراتية، وتحقيق التوازن بين المطالب الأكاديمية، والاجتماعية. كما حافظت على هويتي الإماراتية بالتمسك بالقيم الوطنية والدينية والثقافية، مع استيعاب ما يفيد من ثقافات أخرى؛ لتطوير شخصيتي.

أطلعينا على تجربتك القيادية في لندن!

تجربتي في لندن كمديرة لمكتب هيئة الصحة كانت استثنائية؛ فقد كان قرار الانتقال مع الأسرة تجربة غير مسبوقة، تطلبت تأقلم العائلة مع مجتمع جديد، ودعم متبادل بين الزوجين والأبناء. وبجانب ذلك، تزامن هذا العمل مع «كوفيد - 19»، ما أضاف تحديات أخرى من حيث المسؤولية الطبية، والإنسانية. وقد جعلتني «الجائحة» أدرك أن المسؤولية الطبية لا تقتصر على تقديم الرعاية إلى المرضى فقط، بل تشمل أيضاً: حماية المجتمع، وتنظيم الموارد، ودعم الفرق الطبية تحت أي ضغط. لقد شعرت بالمسؤولية تجاه المرضى الإماراتيين في لندن، وكان عليّ أن أوازن بين سلامتهم، وبين الامتثال للقوانين المحلية، ما عزز مفهوم الالتزام الإنساني العميق، الذي يجب أن يرافق كل طبيب.

الأمومـة، وتجـربـــة ابــن «مـــــن ذوي التوحد».. كيف أعادتا صياغة رؤيتك للطب، والحياة؟

رحلة التعامل مع ابني (من ذوي التوحد)، بدأت حين كان عمره عاماً ونصف العام، وقد صقلت هذه التجربة وعيي بقيمة طبّ يتجاوز العلاج الجسدي؛ ليشمل: الدعم النفسي والاجتماعي، والتعامل الإنساني مع المرضى. كأم، تعلمت الصبر والمثابرة، وأهمية التدخل المبكر، وأدركت أن تمكين الطفل من الاعتماد على نفسه أعظم نجاح. هذه التجربة عززت، كذلك، إدراكي لدور الأمومة في رعاية الإنسان بشكل شامل، وجعلتني حريصة على التواصل المفتوح مع أبنائي، وإعطائهم الحرية المسؤولة؛ لتطوير شخصياتهم. حين كرمت «هيئة تنمية المجتمع-دبي» إنجازات طفلي، تأكدت أن الجهد المبكر، والإيمان بقدرات الطفل، يصنعان فرقاً حقيقياً. ورسالتي للأهالي: اصبروا، وثابروا، وشاركوا في رحلة العلاج، وحافظوا على استقلالية الطفل؛ مهما كانت التحديات؛ فالمستقبل يرتبط بقدرته على الاعتماد على نفسه.

عطاء.. وإلهام

والدك أول ممرض في الإمارات.. ما القيم التي غرسها فيكِ؟

علمني والدي أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه إلى الآخرين، لا بالمسمى الوظيفي، وغرس بداخلي، أيضاً، حب الناس، وخدمة الوطن؛ لتصبح هذه المبادئ عماد شخصيتي، ومبادئي، حتى اليوم. فالطفلة سهيلة، التي حلمت بأن تصبح طبيبة، نشأت في هذا الجوّ من القيم، واليوم أصبحت طبيبة ومعلمة وقائدة، ومحافظة على هويتها، وقادرة على تحويل حلمها إلى واقع ملهم، مستندة إلى المبادئ، التي غرستها بداخلي أسرتي الحبيبة.

حين تتأملين مسيرتك.. ما الانطباع الذي يملأ قلبك؟

حين رأيت أثر جهودي المتواصلة في تطوير التعليم الطبي، وخدمة المرضى، ونجاح ابني (من ذوي التوحد)، وفخر أبنائي، وهويتهم القوية، شعرت بأن كل التجارب المهنية والأمومية والقيادية، شكلت مساراً متكاملاً، وأن الهدف الأسمى لكل ما قمت به، هو خدمة الإنسان، والمجتمع، في أبعاد الحياة كافة.