صفية الحبسي: «الفسيفساء» يمنح الكسور جمالاً
في عالم «الفسيفساء»، لا يولد الإبداع من الكمال، بل من القطع الصغيرة.. المكسورة، والمنسية أحياناً، التي تتحول بين يدي الفنانة الإماراتية، صفية الحبسي، إلى سرد بصري ينبض بالحياة، ولغة تُكتب بالصبر، وتُقرأ بالجمال، حيث كل جزء يكتسب دوره في بناء الكل. البداية كانت من «بيت العمر»، حيث حولت كل زاوية في المنزل إلى تجربة تفاعلية عائلية، شارك فيها الأبناء؛ ليصبح العمل الفني احتفاءً بالأسرة، والفن، معاً. بعدها، وسعت الحبسي أفق موهبتها؛ لتشمل الهوية الإماراتية، والاستدامة؛ فحصدت تقديراً عالمياً، تمثّل في تسجيل أحد أعمالها بموسوعة غينيس للأرقام القياسية.. في حوارها مع «زهرة الخليج»، تؤكد الفنانة الإماراتية أن «الفسيفساء» تجربة حياة ورؤية، حيث كل كسر يحمل فرصة جديدة، وكل لوحة تفتح نافذة على عالم من الألوان والأشكال والقصص؛ لتترك أثراً يتجاوز حدود المادة إلى الإحساس والذاكرة:
-
صفية الحبسي: «الفسيفساء» يمنح الكسور جمالاً
كيف بدأتِ رحلتكِ مع عالم الفن، ولماذا اخترتِ أسلوب «الفسيفساء»؟
منذ الصغر، أحببت مختلف الأعمال الإبداعية اليدوية، ومارستها كهواية. أما علاقتي الحقيقية بالفن، فبدأت أثناء مرافقة بناتي إلى المكتبة، والأنشطة الفنية في «المجمع الثقافي» بأبوظبي. ومع تكرار الحضور والنقاش مع الفنانين، وُلدت لديَّ فكرة ترك «بصمة» خاصة في مشروع بناء بيتي بمنطقة العين، تكون دائمة، وليست عابرة؛ فوقع اختياري على «الفسيفساء»، وحرصت - قبل أن أبدأ - على معرفة أساسيات وتقنيات هذا الفن، ودراسة طرق استخدام المواد المختلفة، دون توقع أن تمتد التجربة؛ لتشمل كل تفاصيل البيت وحديقته؛ ولتصبح لاحقاً جزءاً من هويتي الفنية.
-
صفية الحبسي: «الفسيفساء» يمنح الكسور جمالاً
تناغم الاختلافات
ما الذي يميز «الفسيفساء»، وماذا تعني لكِ فكرة «الجزء الذي يصنع الكل»؟
«الفسيفساء» فن التحوّل، حيث تُمنح المواد المهملة حياة جديدة، بمزيج من الجمال والاستدامة، صديق للبيئة، فيعكس صبر الفنان، وتركيزه. وأيضاً هو تجربة إنسانية، إذ يمكن للعائلة المشاركة في مراحل مختلفة من التكسير، والترتيب، واللصق؛ فتكتسب كل لوحة بًعداً إنسانياً دافئاً. أما فكرة «الجزء الذي يصنع الكل»، فهي جوهر عملي: الجمال يولد من تناغم الاختلافات، فقطعة صغيرة أو مكسورة قد تكون العنصر، الذي يمنح العمل اكتماله.
-
صفية الحبسي: «الفسيفساء» يمنح الكسور جمالاً
بأيِّ معايير تختارين الألوان في أعمالكِ؟
اختيار الألوان يبدأ بالإحساس قبل التقنية. أحياناً، تنطلق الفكرة من خامة، أو قطعة أعثر عليها، خاصة أنني أستخدم مواد معاداً تدويرها؛ فتقودني ألوانها إلى بناء العمل بالكامل. وفي بعض الأعمال، تمتزج الذاكرة بالخيال، كما في تجربتي المستوحاة من أميركا اللاتينية، خلال «إكسبو 2020 دبي». إنني أتعامل مع الألوان كقطع «فسيفساء»؛ فلكل لون شخصيته، وعند وضعه في المكان الصحيح يمنح انسجاماً بصرياً متكاملاً.
كيف تحافظين على الهوية المحلية في أعمالكِ، وما دور الفن في حفظ الذاكرة الثقافية؟
أحافظ على هويتنا، من خلال إبراز تراثنا، عبر خامات محلية، مثل: النخيل وخوصه، ونواة التمر، وشجرة الغاف، إضافة إلى الزخارف البسيطة، المستوحاة من البيئة، ولمحات من حياة البيوت الإماراتية. ومن أبرز أعمالي، في هذا المجال، لوحة علم دولة الإمارات، المصنوعة من مواد قابلة للتحلل، والتي سجلت في «موسوعة غينيس»، خلال احتفالات عيد الاتحاد الـ54. أما الفن، فهو أداة حيوية لحفظ الذاكرة الثقافية؛ و«الفسيفساء»، تحديداً، يبني هذه الذاكرة من أجزاء صغيرة، تحمل كلٌّ منها قصة؛ لتتجمع - في نهاية المطاف - حكاية بصرية، تتجاوز الزمن.
-
صفية الحبسي: «الفسيفساء» يمنح الكسور جمالاً
روح المكان
ما أقرب أعمالكِ إلى قلبكِ، وماذا عن طموحاتكِ المستقبلية؟
أقرب أعمالي إلى قلبي الجدار الذي نفذته في مطبخ «بيت العمر»؛ لأنه يحمل تفاصيل من ذكريات عائلتي؛ فأصبح جزءاً من روح المكان. أما طموحاتي، فهي أن يكون الفن حاضراً في الحياة اليومية، من خلال أعمال «فسيفساء» في الأماكن العامة، مثل: الجسور، والأنفاق؛ لتكون جزءاً من المشهد البصري في المدينة، وتعكس هويتها. كما أطمح إلى تطوير تجربتي، والاستمرار في دمج الاستدامة بأعمالي، واستكشاف تقنيات جديدة، تمنح هذا الفن آفاقاً أوسع.
هل لديكِ توجه؛ لنقل هذا الفن إلى الأجيال القادمة؟
بالتأكيد، فهذا جزء أساسي من رسالتي الفنية؛ وقد بدأت بالفعل من خلال ورش فنية، حيث يلفتني تفاعل المشاركين، خاصة الأطفال، مع هذا الفن، وشعورهم بالإنجاز. وأطمح إلى توسيع هذه المبادرات؛ لتشمل فئات أوسع، بحيث يصبح الفن مساحة تجمع الأجيال حول تجربة مشتركة. ونقل هذا الفن، الذي يمنح الكسور جمالاً، يمثل امتداداً طبيعياً لرحلتي الفنية.