د. هنادا طه: «العربية» وطنٌ حملته معي إلى العالم
ليست اللغة، عند الدكتورة هنادا طه، أداة للتعليم فحسب، بل ذاكرة، ووطنٌ بديل، حملته معها عبر القارات. فمن طفولتها في لبنان، إلى سنوات طويلة بالولايات المتحدة، وصولاً إلى الإمارات، حيث تقود، اليوم، مركز اللغة العربية للبحوث والتطوير بجامعة زايد، تمضي الدكتورة هنادا في رحلتها بثقة الباحثة، التي تؤمن بأن العلم لا يُورّث، بل يُنتزع بالصبر، وبأن اللغة العربية مشروعُ مستقبلٍ، وليست حنيناً إلى ماضٍ. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، نقترب من الإنسانة خلف الباحثة؛ لنعرف كيف تبلورت رؤيتها للغة، والتعليم، والهوية.. وتالياً نص الحوار:
كيف شكلتْ طفولتك في لبنان، وبيئتك الأسرية، وعيك المبكر، ورؤيتك للعالم؟
سنوات الطفولة في بيروت كانت مليئة بـ«الوقت المسروق»؛ بسبب الحرب التي رافقتني طوال طفولتي، ومراهقتي. هذه الظروف تجعل الأطفال كباراً فجأة، بلا مقدمات؛ لذا أشعر بأنني وُلدتُ كبيرةً ومسؤولةً، وأن نظرتي إلى العالم تشكلت برؤية مختلفة. ورغم كل الخسارات التي تكبدتها، إلا أنني أشعر بامتنانٍ عميق؛ لأنني استطعت - في حيز ما - أن أُزهر، وأن أكون منتجةً، ومستقلةً، وسعيدةً.. ربما لأنني تعلمت، مبكراً، أن الحياة لا تنتظر أحداً.
العلم.. ملاذ لا يُسلب
منذ صغرك بدا حبك للعلم واضحاً، ما الذي غذى هذا الشغف، وجعله بوصلة حياتك؟
لا شيء يغير مساراتنا مثل الفَقْد؛ ففقدان الأب والأخ في سن مبكرة دفعني إلى الاحتماء بالعلم والقراءة والتعلم، كمساحات آمنة لا يستطيع أحدٌ أن يسلبك إياها. كنت لا أتغيب عن المدرسة، أو الجامعة، مهما كانت الظروف. فقد أدركت، مبكراً، أن الجمال يذوي، والثروة غير دائمة، والعلاقات آنية، بينما العلم وحده يصحبك أينما ذهبت. كنت أبحث عن بطل في حياتي، فكان العلم هو ذلك البطل.
-
د. هنادا طه: «العربية» وطنٌ حملته معي إلى العالم
هل تتذكرين اللحظة، التي أدركتِ فيها أن اللغة العربية نافذة لفهم الإنسان والمجتمع، وليست مجرد وسيلة للتواصل؟
المفارقة أن اغترابي في الولايات المتحدة قربني أكثر إلى اللغة العربية؛ فكلما تعمقت في «الإنجليزية»، زاد خوفي على علاقتي بـ«العربية». كما أن زوجي (الأميركي) كان يسألني أسئلة بسيطة وعميقة، في الوقت نفسه؛ أجبرتني على إعادة اكتشاف لغتي، وثقافتي، وديني. هذه الأسئلة جعلتني أتعلم من جديد، وأفهم أموراً كنا نعتبرها مُسلمات.. هناك أدركت أن اللغة العربية ليست فقط لغة للتواصل، بل منظومة ثقافية كاملة.
بعد عودتك إلى العالم العربي، ما الذي وجدته في الإمارات تحديداً؟
وجدت بلداً يؤمن بالشباب، وبالأفكار غير التقليدية، وباقتصاد الابتكار؛ فشعرت بأمان فكري ونفسي افتقدته طويلاً. الإمارات وفرت لي المساحة؛ لأحمل مشروعي المعرفي لتحديث تعليم اللغة العربية، وأعمل عليه بثقة وشغف!
فرص الغد
خلال إدارتك مركز اللغة العربية للبحوث والتطوير بجامعة زايد، ما أبرز ما يميز تجربتكم؟
نحن نؤمن بأن السياسات التعليمية يجب أن تُبنى على البحث العلمي. لذلك، يعمل «المركز» على التأثير في صناع القرار عبر دراسات رصينة. كما أطلقنا منصة تحتوي على دورات مجانية؛ لتدريب معلمي اللغة العربية، ومصادر تعليمية، ونقدم أيضاً استشارات تربوية لمؤسسات محلية وعالمية، من بينها «البنك الدولي»، كل ذلك بدعم من جامعة زايد؛ تجسيداً لرؤية دولة ترى في اللغة العربية روحاً، ومستقبلاً، وهويةً.
كيف ترين دور اللغة العربية في بناء جيل مبتكر؟
عدد المتحدثين بـ«العربية» سيتجاوز الـ700 مليون، خلال العقود المقبلة، ما يعني أن هناك فرصاً هائلة في الصناعات اللغوية، والتقنية، والمعرفية. لكن هذه الفرص تحتاج إلى مَنْ يُتقن «العربية»، ويجيد أدوات الابتكار، وإلا سنجد غير العرب ينافسوننا في لغتنا. فمَنْ يتقن «لغة الضاد» اليوم؛ يصنع فرص الغد.
ماذا تقولين للباحثين الشباب في مجالَي: اللغة، والثقافة؟
اتبعوا العلم الجيد، والعالِم الحقيقي. وأتقنوا «العربية»، وتعلموا «الإنجليزية»، وبقية اللغات؛ للاطلاع على أحدث ما يُنشر عالمياً؛ فمجال بحوث اللغة العربية خصب، لكنه يحتاج إلى أدوات حديثة، وعقول صبورة؛ فليس كل شغف يصنع معنى.
ما حلمك الأكبر؟
أحلم بأن يكون تعليم اللغة العربية متميزاً وسهلاً ومحبباً، وأن يكون معلمها الأكثر تمكناً، ومكانة؛ لأنني أؤمن بأن «لغتنا الأم» يجب أن تكون الأولى والأَوْلى بإتقاننا، مع انفتاح واعٍ على اللغات الأخرى. كما أتمنى أن أكون - ولو بدَوْر صغير - جزءاً من هذا التحول.