نورة المزروعي: العزف يمنحني مساحة واسعة للإبداع

في تجربتها، لا يمكن فصل المعرفة عن الإحساس، ولا الفن عن الوعي. هكذا تقدّم الدكتورة الإماراتية نورة المزروعي نفسها؛ كباحثة، وعازفة قانون، وكاتبة، لا ترى في مسيرتها مسارات متوازية، بل تكويناً واحداً يتكامل فيه الصوت مع الفكرة، والتجربة مع التأمل؛ حيث تقودها ميولها، بهدوء، نحو ما يشبهها حقاً. ومن هناك،

في تجربتها، لا يمكن فصل المعرفة عن الإحساس، ولا الفن عن الوعي. هكذا تقدّم الدكتورة الإماراتية نورة المزروعي نفسها؛ كباحثة، وعازفة قانون، وكاتبة، لا ترى في مسيرتها مسارات متوازية، بل تكويناً واحداً يتكامل فيه الصوت مع الفكرة، والتجربة مع التأمل؛ حيث تقودها ميولها، بهدوء، نحو ما يشبهها حقاً. ومن هناك، يصبح الفن وسيلة للفهم، لا مجرد تعبير، وتتحول التجربة إلى امتداد داخلي يتشكل بوعي، ويُصاغ بثقة.

في هذا الحوار، تفتح لنا الدكتورة نورة المزروعي نوافذ على رحلتها، بين البحث والعزف والكتابة، وتكشف كيف يمكن للفن أن يكون معرفةً، وحياة:

  • نورة المزروعي: العزف يمنحني مساحة واسعة للإبداع

من أين بدأت علاقتك الحقيقية بالعزف، ومتى أدركتِ أن هذه التجربة تتجاوز الهواية إلى جزء من هويتك؟

بدأت رحلتي مع العزف أثناء دراستي في الولايات المتحدة الأميركية، خلال مرحلة الماجستير، حيث كان الغيتار رفيق دربي. عند استكمال دراستي بالحصول على درجة الدكتوراه في بريطانيا، كان الغيتار جزءاً من تجربتي، لكن كانت روحي تميل أكثر إلى الآلات الشرقية، ومنها: العود، والقانون. كانت بدايتي الحقيقية مع القانون في «بيت العود العربي» بأبوظبي. وقد شجعتني والدتي كثيراً، وكان دعمها لي كبيراً.

بين الأدب.. والموسيقى

تجمعين بين الكتابة، والعزف، والعمل الأكاديمي.. كيف تتقاطع هذه المسارات، وأين تجدين نفسك أكثر؟

إنني أعزف وأكتب وأحاضر في الجامعة، ولا أفضّل جانباً على آخر، فجميعها أجزاء أساسية من شخصيتي. لكن العزف يحمل سحراً خاصاً؛ لأنه ينقلني إلى عوالم موسيقية مختلفة، ويمنحني مساحة واسعة للإبداع؛ فعندما يتمكن العازف من قراءة النوتة الموسيقية، يؤدي أعمالاً من مختلف الثقافات والمدارس الموسيقية؛ ما يجعل الموسيقى رحلة ممتدة إلى عوالم جميلة ومتنوعة. أما الكتابة، فهي جزء أصيل من تكويني؛ لأنها تنبع من علاقتي العميقة بالقراءة، وتمنحني مساحة للتأمل والتعبير بالكلمة، كما يفعل العزف بالنغمة.

  • نورة المزروعي: العزف يمنحني مساحة واسعة للإبداع

صدر لكِ كتاب «التشافي بالموسيقى».. هل تؤمنين بـ«العلاج بالفن»؟

أصدرت هذا الكتاب مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ضمن مبادرتها «رواق الأدب والكتاب». إنني أؤمن جداً بـ«العلاج بالفن»؛ فالموسيقى والفنون تمنح الإنسان شعوراً مختلفاً، وتسهم في تخفيف ضغوط الحياة. في المستشفيات الغربية، يُستخدم العلاج بالفنون لدعم الصحة النفسية، وكذلك للتعامل مع حالات الصدمات من أثر الحروب، وحتى علاج بعض حالات التوحد. إن الفن، هنا، ليس رفاهية، بل جزء أساسي من العلاج، إلى جانب الأدوية الطبية.

في كتابكِ «التشافي بالموسيقى»، استحضرتِ البعد التاريخي للموسيقى.. ما الذي يضيفه هذا الامتداد الزمني لفهمنا لدورها العلاجي اليوم؟

كان استحضار البعد التاريخي ضرورة علمية؛ لأن أي طرح معاصر يفقد عمقه إن لم يستند إلى جذوره. فالموسيقى، عبر الحضارات القديمة، كالسومرية، والآشورية، والفرعونية، لم تكن ترفاً، بل شكّلت جزءاً من منظومة المعرفة الإنسانية، وارتبطت بالطقوس، والتعليم، والسلطة، ما يعكس وعياً مبكراً بقوة الصوت وتأثيره. كما تشير الشواهد التاريخية إلى توظيف الصوت والترددات الإيقاعية في سياقات علاجية، خاصة داخل المعابد، حيث استُخدم الأداء الصوتي المنظّم لدعم التوازن الجسدي والنفسي. ومن هنا، يأتي هذا الكتاب ليعيد تقديم الموسيقى بوصفها بُعداً علاجياً مكمّلاً، لا مجرد ممارسة جمالية، وكجزء من فهم أوسع لتكامل الفن والصحة، ضمن إطار علمي وإنساني معاصر.

  • نورة المزروعي: العزف يمنحني مساحة واسعة للإبداع

كيف انعكس انضمامك إلى جمعية الموسيقيين الإماراتية على حضورك الفني؟

 شكّل انضمامي إلى الجمعية مساحة مهمة لتوسيع حضوري الفني، والمشاركة في فعاليات وطنية بارزة. ومن أبرز هذه التجارب، عزف مقطوعة «يا بحر»، للمؤلف الموسيقي العالمي إيهاب درويش، ضمن «مهرجان أبوظبي» في «قصر الإمارات»، بمصاحبة الأوركسترا الوطنية الصينية. مثل هذه المشاركات لا تقتصر على الأداء الموسيقي فحسب، بل تفتح آفاقاً أوسع للتعاون الفني على المستوى العالمي، وتؤكد دور الموسيقى كجسر ثقافي يقرّب بين الشعوب، ويعزز الحوار الإنساني عبر الفن.

كيف تقرئين حضور المرأة في المشهد الموسيقي.. اليوم؟

لا أرى حضور المرأة في المجال الموسيقي والفني بوصفه استثناءً، بل امتداداً طبيعياً للمشهد الثقافي. فهذا المجال يتطلب شغفاً حقيقياً وثقة بالنفس؛ لأن التعبير الفني يقوم على جرأة واعية ومسؤولية في آنٍ.

لغة عابرة للحدود

ماذا تمثّل لكِ مشاركتك في «مهرجان أبوظبي»، وإلى أي مدى تعكس هذه التجربة دور الموسيقى في بناء جسور التواصل بين الثقافات؟

شكّلت مشاركتي في «مهرجان أبوظبي» محطة محورية في مسيرتي، خاصة خلال العزف مع زملائي في «بيت العود العربي»، حيث يُبرز هذا الحدث الإبداع الإماراتي، ويعزّز حضوره على الساحة العالمية. الموسيقى، بطبيعتها، تتجاوز حدود اللغة، وتمنح الفنان قدرة على ملامسة وجدان ثقافات عدة، لا مجرد تقديم عمل فني. ومن هذا المنطلق، تتجسّد رؤية «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، و«مهرجان أبوظبي»، بوصفهما منصتين تجمعان بين الفن والحوار الإنساني، وتؤكد دور الموسيقى كجسر حقيقي للتقارب بين الشعوب.

  • نورة المزروعي: العزف يمنحني مساحة واسعة للإبداع

هل تعملين، حالياً، على مشروع فني جديد؟

 نعم، أعمل على مشروع «عربي – غربي»، وهو عمل يدمج الآلات العربية مع الغربية في رؤية فنية معاصرة. هذا المشروع يعتبر منصة ثقافية، تهدف إلى تقديم هوية الإمارات إلى العالم. وقريباً سيتم تنفيذه في عدد من دول أوروبا وأميركا اللاتينية، ليكون جسراً للتواصل الحضاري، ويعرّف الجمهور بثقافتنا، وإرثنا الفني، بأسلوب عالمي حديث.