أمجد غرز الدين: الألوان مرآة لما يختبئ بداخلنا
في المرسم، حيث يهدأ الضجيج، وتخفّ وطأة الأسئلة، تتحول اللوحة إلى مساحة إنصات لما يختبئ في الداخل، وتغدو الألوان وسيلةً للاقتراب من الذات، دون حاجة إلى تفسير.. بهذه الرؤية يقدّم الفنان التشكيلي السوري، أمجد هاني غرز الدين، تجربته، جامعاً بين حسّه الفني، وممارسته الرسم كفعلٍ تعبيري مفتوح؛ فلوحاته لا تنشغل بالشكل وحده، بل بما يختزنه اللون من شعور، وما تقترحه المساحة من تأمل. وفي مرسمه، يرافقه هواة الرسم ومحبوه؛ لاكتشاف علاقتهم الخاصة مع الخط واللون، في مساحة تتيح لكل تجربة أن تتشكل بطريقتها الخاصة.. في حواره مع «زهرة الخليج»، نقترب أكثر من تجربة الفنان التشكيلي السوري، التي يتقاطع فيها الفن مع الإنسان؛ لنرى كيف يتحول الرسم من ممارسة بصرية إلى نافذة صادقة؛ لفهم الذات، وإعادة ترتيب المشاعر:
-
أمجد غرز الدين: الألوان مرآة لما يختبئ بداخلنا
متى اكتشفت أن الرسم قادر على احتواء ما تعجز الكلمات عن حمله؟
في لحظات الصمت الأولى أمام لوحة بيضاء؛ حيث تتعثر الكلمات وتتراجع، بينما تتحرك اليد بثقة غامضة نحو الألوان، كأنها تعرف الطريق أكثر من العقل؛ ليتحول الحزن إلى درجات داكنة، والفرح إلى مساحات مضيئة، والقلق إلى خطوط متشابكة. أدركت، حينها، أن الرسم لا يطلب منا أن نكون واضحين أو أقوياء، بل صادقين فقط.
ما وراء اللون
إلى أي مدى يساهم الفن في التعبير عن المشاعر، وفهم الذات؟
نحن اعتدنا النظر إلى العمل الفني بعين الحَكَم: هل هو جميل؟.. متناسق؟.. ماذا يقصد الفنان؟.. لكنَّ الفن - في جوهره - ليس ساحة تقييم، بل مساحة احتواء؛ فيمكن أن يكون مكاناً نرتّب فيه أفكارنا، ونقترب من مشاعرنا بهدوء. وحتى مناهج تحليل الأعمال الفنية، مثل «منهج فيلدمان»، يمكن أن تتحول إلى طريقة؛ لفهم ما نراه، وما نشعر به، لا للحكم عليه. إن الفن لا يفرض تفسيراً، بل يفتح باباً للتأمل، ويمنحنا مسافة نرى - من خلالها - أنفسنا بوضوح أكبر.
-
أمجد غرز الدين: الألوان مرآة لما يختبئ بداخلنا
هل يختلف التعبير بالرسم عنه بالكلام؟
بالتأكيد؛ فحين نتحدث؛ نفكر كثيراً، ونراقب أنفسنا. أما حين نرسم، فإننا نشعر قبل أن نفكر، وكثيرون يعجزون عن وصف ما يشعرون به بالكلمات، لكنهم يختارون لوناً يعبر عنه فَوْراً. وبعد أن تتشكل اللوحة، يصبح الكلام أسهل، وأكثر صدقاً. وفي الأغلب، لا يكون الحديث بدايةَ التعبير، بل امتدادَه.
ما أكثر اللحظات التي تترك فيك أثراً، أثناء العمل مع الآخرين؟
تلك اللحظة، التي يضع فيها الفنان فرشاته، وينظر إلى عمله بهدوء عميق، كأنه خرج من حالة داخلية مزدحمة، تلك التي أسميها «استراحة محارب».. فيتغير الإيقاع: الجلسة تصبح أكثر هدوءاً، والنظرة أكثر صفاءً، وأحياناً تظهر ابتسامة خفيفة، وقد تبدو تفاصيل بسيطة، لكنها تعني أن شيئاً ما في الداخل قد أعاد ترتيب نفسه.
-
أمجد غرز الدين: الألوان مرآة لما يختبئ بداخلنا
إبداع.. وثقة
بصفتك مدرساً للفنون.. كيف تزرع الثقة في نفوس طلابك؟
أبدأ، دائماً، بالتغذية البصرية؛ فأطلعهم على تجارب الفنانين، لا ليقلدوهم، وإنما ليفهموا طريقة كل فنان في التفكير، ثم أؤكد لهم أن الفن ليس منافسة، وأفصل بين التقييم والتعبير، وأقول لهم: نحن هنا؛ لنعبر لا لنقارن. وحين يشعر الطالب بالأمان، يرسم بحرية، ومع الحرية تأتي الجرأة، ومع الجرأة تتشكل الثقة.
كيف انعكس عملك في الإمارات على تجربتك الفنية؟
العمل في مجتمع متنوع ثقافياً، كالإمارات، عمّق لديّ قناعة بأن المشاعر واحدة؛ مهما اختلفت اللغات. نعم، قد تتبدّل الرموز والأساليب، لكن الإحساس يظل مشتركاً. وقد رأيت كيف يمكن لخط بسيط، أو لون عابر، أن يجمع أشخاصاً من ثقافات وتجارب متباينة، دون حاجة إلى ترجمة. عندها أدركت أن الفن لغة إنسانية خالصة، يفهمها القلب قبل العقل.
ماذا تعني لك عبارة: «كل لوحة بداية جديدة»؟
بالنسبة لي، اللوحة الفارغة ليست مجرد سطح أبيض، بل فرصة تنتظر أن تُملأ بالخطوة الأولى، هذه الفرصة لا تسأل عمّا مضى، ولا تحاسب عليه، بل تمنح الإنسان مساحة للشجاعة، والاكتشاف. هذا الخط، مهما كان متردداً يعد إعلاناً للإقدام؛ فكل لوحة مساحة للتنفّس والمصالحة مع الذات، وليست مجرد ألوان، وإنما احتمال دائم لبداية جديدة، وإعادة ترتيب الحياة من زاوية أخرى.