على وقع التراجيديا الروسية المهيبة، احتضن «قصر الإمارات ماندارين أورينتال» ليلةً فنيةً لا تشبه سواها؛ حيث استسلمت العاصمة أبوظبي لموجةٍ عاتيةٍ من الفن البصري، والرقص المعاصر، في عرض «وصل القطار إلى...». العرض المستوحى من الرواية الخالدة «آنا كارنينا»، للأديب العالمي ليو تولستوي، تحول إلى مواجهة حية مع «سيكولوجية الانكسار» الإنساني، التي أبدعت فرقة «2sisters theatre company»، المسرحية المستقلة، في تحويلها من كلماتٍ صامتة على الورق إلى لغةٍ جسديةٍ نابضةٍ، تفيض بالألم والجمال.

نجوم العالم على خشبة «العاصمة»:

تجسد الصراع العاطفي، على الخشبة، عبر أداءٍ مذهل لنخبة من عمالقة الباليه؛ حيث قاد الأدوار الرئيسية النجم العالمي فلاديسلاف لانتراتوف، النجم الأول في مسرح «البولشوي»، بمشاركة داريا بافلينكو، الراقصة الأولى السابقة في مسرح «مارينسكي». وبرؤية إخراجية للمبدعة إيرينا ميخييفا، تركز العرض على مثلث المشاعر المحوري: (آنا، وابنها سيريوجا، وفرونسكي)، محولاً الكلمات المكتوبة إلى طاقة جسدية، وصور مجازية مكثفة.

ميخييفا.. الجسد يحل محل الكلمات:

وفي حديثها عن فلسفة العمل، أكدت المخرجة، إيرينا ميخييفا، أن الهدف لم يكن السرد الحرفي، بل إظهار ذلك «التشظي الداخلي» لآنا، قائلة: «كان من المهم لنا إظهار رحلتها المؤلمة بين عالمين: عالم فرونسكي النابض بالحياة، وعالم سيريوجا الهادئ الرقيق كخزف، ومن هذا التناقض ولدت مأساتها». وأضافت أن «الصور المجازية» حلت محل الديكور التقليدي، ما منح الجمهور فرصة لمعايشة القصة عبر تجاربهم الشخصية.

  • أبوظبي تحتفي بـ«آنا كارنينا».. أيقونة الأدب العالمي في عرض عالمي مبهر

بافلينكو لـ«زهرة الخليج»: جمهور أبوظبي فاجأني بدفئه وعمق استيعابه:

في حوارٍ خاص مع «زهرة الخليج»، أعربت النجمة العالمية داريا بافلينكو عن سعادتها البالغة بالعودة إلى دولة الإمارات؛ لتقديم عمل فني جديد، مؤكدةً أن تفاعل الحضور كان مبعث سرورٍ كبير لها. فقالت بافلينكو: «لقد فاجأني بحق ذلك الدفء الذي استقبلني به جمهور أبوظبي، خاصة أن هذا العمل يتسم بعمق فلسفي، وتعقيد درامي يتطلب جهداً ذهنياً ووجدانياً استثنائياً؛ لاستيعاب جرعات الألم الكامنة فيه». وأوضحت أن ذائقة الجمهور تميل، عادةً، نحو الأنماط الكلاسيكية، إلا أن وعي جمهور العاصمة، وتقديره لهذا العرض المعاصر، كان مذهلين، وتجاوزا كل التوقعات.

وعلى خشبة المسرح، لم يكن أداء بافلينكو مجرد رقصٍ تقليدي، بل تحول إلى «قصيدة حركية مفعمة بالألم المكتوم»، تجسدت في كل إيماءة، وانحناءة. فقد نجحت، ببراعة لافتة، في تطويع جسدها؛ ليكون مرآةً تعكس تمزق «آنا كارنينا» بين عالمين؛ فبين مرونة ذراعيها، اللتين بدتا كجناحين يحاولان الانعتاق من قيود المجتمع، ونظراتها التي اختزلت حالة «التشظي» بين نداء الأمومة، وسطوة العاطفة، وقد استطاعت بافلينكو أن تنقل للمشاهد ذلك الانكسار الروح الخفي.

كانت «آنا»، التي قدمتها بافلينكو، أنثى استثنائية في قلقها؛ تفيض تارةً برقة الأنوثة، وتتقوقع أخرى على ذاتها في ذروة القسوة التراجيدية، ما جعل الحضور يشعرون بأن «صوت اصطدام القطار» لم يأتِ كخاتمةٍ للعرض فحسب، بل كان يتردد صداه في كل حركة درامية قدمتها هذه النجمة العالمية ببراعة فائقة.

أصداء النجاح.. من موسكو إلى أبوظبي:

العمل، الذي انطلق لأول مرة من موسكو عام 2025، محققاً نجاحاً مدوياً، نال إشادات نقدية واسعة؛ حيث وصفت الناقدة، إلينا فيدورينكو، أداء بافلينكو بأنه كشف عن «روح تحلم بالتحليق»، بينما أثنت على دقة لانتراتوف في تجسيد شخصية «فرونسكي» الأرستقراطية المتكبرة، التي تخفي شغفاً ملتهباً خلف قناع صلب.

واختتمت الأمسية تاركةً بصمة بارزة في المشهد الثقافي لأبوظبي، حيث نجح التصميم البصري المبتكر، والأداء الاستثنائي للنجوم، في حبس أنفاس الحضور، مؤكدين أن مأساة «آنا كارنينا» لا تزال قادرة على إبهار العالم، ولكن هذه المرة.. عبر حكاية يرويها الجسد، وتصدقها الروح.