بدأت الأبحاث الطبية تدق «ناقوس الخطر» بشأن «الثمن الصحي»، الذي يدفعه الموظفون يومياً مقابل البقاء لفترات أطول داخل المكاتب. وبعيداً عن الإرهاق الذهني والتوتر النفسي، تكشف الدراسات الحديثة أن العمل لساعات طويلة قد يكون أحد الأسباب المباشرة وراء زيادة معدلات السمنة عالمياً.

وخلال فعاليات المؤتمر الأوروبي حول السمنة «European Congress on Obesity»، عرض باحثون نتائج دراسة جديدة سلطت الضوء على العلاقة القوية بين عدد ساعات العمل وزيادة الوزن، مؤكدين أن بيئة العمل الحديثة باتت تؤثر في الصحة العامة بقدر تأثير الطعام غير الصحي أو قلة النشاط البدني.

  • العمل لساعات طويلة قد يدفعك نحو «السمنة».. بصمت!

العمل أكثر.. وزن أكبر:

شملت الدراسة أكثر من 122 ألف شخص، وأظهرت أن الموظفين، الذين يعملون أكثر من 55 ساعة أسبوعياً، ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بالسمنة، بنسبة تصل إلى 17%، مقارنة بمن يعملون لساعات أقل.

وأشارت البيانات، أيضاً، إلى أن خفض ساعات العمل السنوية بنسبة 1% فقط، يؤدي إلى انخفاض معدلات السمنة بنسبة 0.1% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يعكس حجم التأثير الذي يتركه ضغط العمل على أجسام البشر.

ويكشف خبراء الصحة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالعادات الغذائية، بل بأسلوب الحياة الذي تفرضه الوظائف الحديثة، حيث يقضي الملايين معظم يومهم أمام الشاشات، مع حركة محدودة، ونظام غذائي غير منتظم.

«فقر الوقت».. العدو الجديد للصحة:

أحد أهم المصطلحات، التي ركزت عليها الدراسة، ما يسمى «فقر الوقت»، أي أن الموظف يصبح عاجزاً عن إيجاد وقت كافٍ لممارسة الرياضة، أو إعداد وجبات صحية، أو حتى النوم لساعات كافية بسبب ضغط العمل المستمر.

ومع ازدحام الجداول اليومية، يتحول الحل الأسرع لدى كثيرين إلى الوجبات السريعة الغنية بالسعرات الحرارية، إضافة إلى تناول المشروبات المنبهة، والسكريات بكثرة لمقاومة الإرهاق خلال ساعات العمل الطويلة. وأكد المختصون أن هذه العادات ترفع، أيضاً، خطر الإصابة بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، بجانب زيادة الوزن بالتأكيد.

  • العمل لساعات طويلة قد يدفعك نحو «السمنة».. بصمت!

التوتر يغير طريقة عمل الجسم:

يساهم التوتر المزمن، بشكل كبير، في زيادة الوزن؛ فعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي مستمر، يرتفع مستوى هرمون «الكورتيزول» المسؤول عن استجابة الجسم للتوتر، ما يدفع الجسم إلى تخزين الدهون، خصوصاً في منطقة البطن. كما أن الإجهاد يؤثر في جودة النوم، ومع اضطراب النوم تتغير آليات تنظيم الشهية داخل الجسم، ويزداد الميل لتناول الطعام بكميات أكبر، لا سيما الأطعمة الغنية بالدهون، والسكريات.

وأشار أطباء إلى أن الكثير من الموظفين يدخلون في «دائرة مغلقة»، تبدأ بالإرهاق، وتنتهي بزيادة الوزن؛ حيث يؤدي التعب إلى قلة الحركة، ثم يزداد الوزن، فيصبح النشاط البدني أكثر صعوبة.

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية «World Health Organization»، فإن الرجال والعاملين الأكبر سناً هم الفئات الأكثر عرضة لتأثيرات ساعات العمل الطويلة على الوزن، ويرجع تفسير ذلك إلى أن معدل حرق السعرات الحرارية ينخفض تدريجياً مع التقدم في العمر، بينما تتزايد آثار التوتر والإجهاد على الجسم، ما يجعل التحكم في الوزن أكثر صعوبة، مقارنة بالشباب.

هل الحل في تقليل ساعات العمل؟

مع تصاعد المخاوف الصحية، بدأت بعض الشركات العالمية في تجربة أنظمة عمل جديدة، مثل العمل 4 أيام أسبوعياً، أو تقليص ساعات الدوام اليومية، بهدف تحسين التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

وأشارت النتائج الأولية لهذه التجارب إلى تحسن مستويات النوم، والصحة النفسية، وزيادة النشاط البدني لدى الموظفين، إلى جانب انخفاض الشعور بالإجهاد.

ويرى خبراء أن المؤسسات لم تعد مطالبة فقط بتحقيق الأرباح، بل أيضاً بحماية صحة العاملين لديها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف علاج الأمراض المرتبطة بالسمنة.

  • العمل لساعات طويلة قد يدفعك نحو «السمنة».. بصمت!

كيف تحمي نفسك داخل بيئة العمل؟

رغم صعوبة تجنب ضغوط العمل بشكل كامل، إلا أن الأطباء أكدوا أن بعض العادات اليومية البسيطة قد تساعد في تقليل الأضرار الصحية، الناتجة عن الجلوس الطويل، ومنها:

- الوقوف أو الحركة لبضع دقائق كل نصف ساعة.

- استخدام السلالم، بدلاً من المصاعد.

- المشي أثناء المكالمات الهاتفية.

- تجنب تناول الطعام أمام شاشة الكمبيوتر.

- شرب كميات كافية من المياه خلال اليوم.

- تجهيز وجبات صحية من المنزل، بدلاً من الاعتماد على الوجبات السريعة.

- ممارسة الرياضة لمدة لا تقل عن 30 دقيقة يومياً.

- النوم المنتظم لمدة تراوح بين 7، و8 ساعات.

وينصح المختصون بممارسة تمارين التأمل، والتنفس العميق؛ لتخفيف مستويات التوتر، وتحسين الصحة النفسية.