يقال: «إن الطريق ليس نقطة وصول، بل حالة عبور دائم».. هذه المقولة ربما تكون مرتبطة بالتجربة، والحياة، واتخاذ القرارات في أبسط حالاتها، وربما أصعبها!.. أحياناً، نظن أن حياتنا تتشكل في اللحظات الكبيرة؛ أو الرحلات، أو البدايات الجديدة، أو الاجتماعات المهمة، أو القرارات المصيرية، لكن - مع الوقت - اكتشفت أن شعورنا الحقيقي، تجاه أي تجربة، لا يتكوّن أثناءها فقط.. بل قبلها بكثير!

أحياناً، لا نتذكر الحدث نفسه، بقدر تذكر الإحساس الذي يسبقه.. هل دخلناه بطمأنينة؟!.. بحماسة؟!.. بخفة؟!.. أم وصلنا منهكين، ومتوترين، كأننا استنزفنا أجمل ما فيه قبل أن يبدأ؟!

وحتى الأشياء البسيطة، في تفاصيل أيامنا، تحمل المعنى نفسه.. فقد اكتشفت، مثلاً، أن أصعب خطوة في ممارسة الرياضة ليست التمرين نفسه، بل القرار الصغير الذي يسبق الذهاب إليه؛ لذلك أصبح تجهيز «حقيبة النادي» جزءاً من التزامي في الليلة التي تسبق الذهاب، من الملابس المرتبة، والحذاء الجاهز، إلى سماعات الموسيقى.. فهذه التفاصيل البسيطة، كلها، تمنحني شعوراً بأنني بدأت بالفعل؛ لذلك يكون صباح اليوم التالي أكثر سعادةً، وجمالاً!

والأمر، نفسه، ينطبق على السفر؛ فأحياناً أشعر بأن الرحلة تبدأ منذ لحظة تجهيز الحقيبة؛ لأن طريقة ترتيبها، وتخيّل الأيام القادمة، والحماسة الشديدة لمشاهدة الأماكن الجديدة، تصبح كلها جزءاً من الذاكرة نفسها.. بينما عندما نقوم بالأشياء ذاتها تحت ضغط واستعجال؛ نفقد متعتها حتى قبل أن تبدأ.. ربما لهذا تبقى بعض التفاصيل الصغيرة عالقة بذاكرتنا لسنوات طويلة!

ومن أكثر المواقف، التي أتذكرها مع والدي، أنه إذا كان لديَّ موعد مهم صباحاً، في مكان جديد لم أذهب إليه من قبلُ، كان يفضل أن نذهب قبلها بيوم؛ لاكتشاف المكان.. أين المدخل؟!.. كيف سيكون الزحام؟!.. أين يمكن أن نقف؟!.. وقتها كنت أظن أنها مجرد ترتيبات عملية، لكنني اليوم فهمت أن الأمر كان أكبر من ذلك بكثير!.. فلم يكن يجهّزني للمكان فقط، بل كان يعلمني كيفية الوصول أكثر هدوءاً، واطمئناناً!

وحتى الطريق نفسه كان يتحول، معه، إلى مساحة خفيفة مليئة بالكلام الجميل، والنصائح، والطاقة الإيجابية؛ كأن التحضير لم يكن مرحلة مملة قبل الحدث، بل كان جزءاً من اللحظة الجميلة ذاتها!.. ومع السنوات، أدركت أن الأحداث الكبيرة لا ترهقنا، بقدر طريقتنا في الدخول إليها!

لهذا؛ ربما نحتاج - وسط كل هذا الاستعجال - إلى تعلم كيفية منح أنفسنا حق «الاستعداد الجميل»، بأن نرتب التفاصيل بمحبة لا بتوتر، وأن نفهم أن الطمأنينة، أيضاً، يمكن صناعتها.. ربما بحقيبة جرى تجهيزها في الليلة السابقة، أو طريقٍ اكتشفناه مبكراً، أو شخصٍ أحب أن يجعل وصولنا إلى الحياة أكثر سهولةً، وجمالاً!

وفي «يوم الأب»، الذي نحتفل به في شهر يونيو، من كل عام، أجد أن بعض الآباء لا يعلمون أبناءهم السير في الطريق فقط، بل يتركون بداخلهم شعوراً دائماً بالأمان، يرافقهم حتى في أبسط تفاصيل الحياة!

إلى كل الآباء في يومهم، كلَّ عام وأنتم بخير.. ودمتم لأبنائكم نبراساً يسيرون في ضوئه..!