في كتابهما «معضلة الشغف»، يحاول براد ستولبيرغ، وستيف ماجنيس، تفكيك هذا «المحرك الإنساني المراوغ»، لكنّ القارئ المتأمل لا يبحث، دائماً، عن «خارطة طريق»؛ لإيجاد الشغف، بل يبحث عن تفسير لظاهرة غريبة، تتكرر في داخله: لماذا يفلت الشغف، منا، في اللحظة التي نظن فيها أننا أمسكنا بطرفه؟!
إن السؤال، الذي يبدو بسيطاً في ظاهره: «ما الشغف؟!»، يخفي خلفه تعقيدات تاريخية ونفسية، تجعل الإجابةَ رحلةً في أعماق المعنى.. وبعيداً عن التعريفات «البراقة»؛ نجد أن جذر الكلمة الأول، في السياقات اللاهوتية القديمة، كان يرتكز على الألم؛ فكلمة «Passion» تعود إلى أصل لاتيني، يعني (المعاناة)، أو (الاحتمال).
قديماً، لم يكن الشغف مرادفاً للحماسة، بل كان تعبيراً عن الصبر في مواجهة تجربة وجودية قاسية. والشغف، بهذا المعنى، ليس خياراً نطلبه، بل قدر يقع علينا ونقبله بوعي الصابرين، تماماً كما كانت توصف «آلام المسيح» بأنها «شغفه الأسمى».
ثم جاء ويليام شكسبير؛ ليمزج «اللاهوت» بـ«الدراما» في كتاباته؛ فوضع الكلمة في قلب الصراع الإنساني؛ فصار الشغف هو تلك القوة الجامحة، التي تدفعنا نحو الحب، والرغبة، والمخاطرة. وانتقل الشغف من «ساحة المعاناة الساكنة»، إلى «خشبة المسرح المتحركة»، ولم يعد مجرد احتمال الألم، بل صار اندفاعاً واعياً نحوه في سبيل غاية أسمى.. وصالاً، أو انتقاماً، أو تحقيقاً للذات!
بعد انتهاء «الحرب العالمية الثانية»، حدث تحول جذري في «الوعي الجمعي»؛ فلم يعد الشغف تجربة شعورية نمر بها، بل تحول إلى مطلبٍ نطارده، وسلعةٍ نستثمرها. وانتقل التركيز من كينونة الشغف إلى آليات تشغيله، وكيفية إيجاده، وكيفية وضعه في قالب وظيفي، وكيفية نجاحنا من خلاله!.. هنا، صار الشغف أداةً، وواجباً ضمنياً؛ فالحداثة تفرض عليك أن تكون شغوفاً؛ لتثبت جدارتك بالوجود، وإلا فأنت تعيش خارج إيقاع العصر!
لكن ما تغفله الكتب التحفيزية هو «اللحظة الحرجة»، التي يَخْفُتُ فيها هذا الوهج. ولا أتحدث، هنا، عن الشغف في ذروة اشتعاله، بل عن تلك اللحظة التي ينسحب فيها فجأةً، تاركاً وراءه فراغاً ثقيلاً.. إنها لحظة لا تشبه الفشل المهني، أو الحزن الصريح، لكنها تبدو كلحظة فقدان لغة كنا نفسر بها علاقتنا بالواقع، والحياة. كأن الرابط، الذي يجمع بين الروح والعقل والمعنى، قد انقطع فجأة.
إننا نميل إلى امتلاك الشغف؛ فنقول: «شغفي، وفقدت شغفي!».. لكن الحقيقة أن الشغف حالة عابرة، تمر بنا أكثر مما نقيم فيها. فحين نتعلق بشيء ما؛ فإننا نمنحه السلطة ليحركنا، لكننا نمنحه، أيضاً، القدرة على ترك أثر غائر؛ حين يبتعد. كما نبحث عن الشغف؛ طلباً للامتلاء، لكنَّ كلَّ امتلاء يحمل في جَوْفه إمكانية الفراغ، وحين نصل إلى أهدافنا الكبرى، لا نشعر، دائماً، بالرضا التام، بل أحياناً بانطفاء خافت؛ لأن الطريق، لا الوصول، هو ما كان يمنحنا المعنى.
إنَّ السؤال الجوهري، اليوم، ليس: «كيف أحافظ على الشغف؟».. وإنما: «ماذا أفعل؛ حين يغيب؟!».. إننا نحتاج إلى فهم إيقاعه الحيوي، وأن نقبل اشتعاله، وخفوته، وأن ندرك أن الخمول الذي يتبعه ليس انحرافاً عن المسار، بل جزء أصيل من دورة الحياة. فالشغف حركة مستمرة، والألم الذي يتبعه ليس نهاية الطريق، بل الأثر الباقي، الذي يثبت أننا كنا، يوماً ما، أحياءَ!