فاطمة الرفاعي: «التمريض» الجسر الأسمى بين العلم والرحمة
تسرد مسيرة الدكتورة فاطمة الرفاعي فصلاً من حكاية وطن، آمن ببناته، وتسلح بالعلم؛ فهي التي صقلت شغفها المهني بأعرق الجامعات العالمية، وصولاً إلى «الدكتوراه» من جامعة «ماك ماستر» بكندا. وعلى مدار ثلاثة عقود، بدأت من ميدان العطاء، أرست دعائم التمريض في دولة الإمارات؛ وساهمت في تأسيس إدارة التمريض بوزارة الصحة ووقاية المجتمع، ومثلت الدولة في المنظمات الصحية الدولية، كالمجلس الدولي للممرضين، وصولاً إلى نيلها «جائزة أبوظبي»؛ تكريماً لمسيرتها التي كرستها لخدمة الوطن.. في حوارها مع «زهرة الخليج»، تفتح الدكتورة فاطمة الرفاعي دفاتر الذكريات والمهنة، وتستشرف مستقبل «ملائكة الرحمة»، في عصر التكنولوجيا.
كيف صقلت مهنتكِ شخصيتكِ؟
مهنة التمريض «مختبر للروح»، قبل أن تكون مهارات إكلينيكية. لقد ساهمت هذه المهنة – خلال دراستي، وممارستي، وتفاعلي مع الزملاء – في تشكيل جانب إنساني عميق في شخصيتي؛ فالتمريض تمنح بُعداً حقيقياً من الصبر، والقدرة على فهم مشاعر الآخرين، ومخاوفهم؛ لأن الممرض هو الصديق القريب من المريض، وهذا القرب علمني التعاطف الحقيقي، ورسخ لديّ قيماً إنسانية لا تُقدر بثمن، انعكست على حياتي مع عائلتي، وأبنائي، وأصدقائي.
مسؤولية مضاعفة
ما التحدي الأكبر، الذي واجهكِ في البداية التأسيسية للقطاع؟
كان التحدي، عند تأسيس أول إدارة للتمريض في وزارة الصحة ووقاية المجتمع، يكمن في بناء «كيان جديد»، لم يكن موجوداً من قبل؛ فكنتُ أمام مسؤولية مضاعفة: إثبات قدرة المرأة، والممرضة، الإماراتية على قيادة العمل المؤسسي، والمساهمة في وضع السياسات، والخطط الصحية. كان علينا بناء فريق متماسك، وتوحيد الرؤية؛ لنقل صوت الميدان إلى طاولة القرار، وهو ما نجحنا في تحقيقه بفضل الإرادة، والإيمان برسالة التمريض.
-
فاطمة الرفاعي: «التمريض» الجسر الأسمى بين العلم والرحمة
بين الأمس واليوم.. كيف تطورت هذه المهنة؟
لقد شهدنا قفزات تاريخية؛ من مدرسة التمريض الأولى في أبوظبي، إلى إطلاق أول برنامج بكالوريوس في التمريض بجامعة الشارقة، تماشياً مع المعايير العالمية عام 2000. وكانت القيادات النسائية «محرك التغيير»؛ حيث ساهمنا في إدخال مفاهيم الجودة عبر فرق «أبطال الجودة» في المستشفيات، وتجهزنا لمعايير (ISO)، والاعتمادات الدولية. اليوم، الإمارات على الخارطة الدولية بفضل التوسع في الكوادر الوطنية، وإنشاء جمعية التمريض الإماراتية عام 2003، والانضمام إلى المجلس الدولي للممرضين عام 2005.. هذه الخطوات لم تكن مجرد إنجازات إدارية فحسب، بل كانت بوابة أبناء وبنات الإمارات؛ للمشاركة في رسم مستقبل المهنة عالمياً، وتبادل الخبرات مع مختلف دول العالم.
كيف حافظتِ على «روح الممرضة» بداخلِك، أثناء اتخاذ القرارات الإدارية؟
عند الانتقال من رعاية المريض إلى المسؤوليات القيادية، لم أخلع «الرداء الأبيض» يوماً، فهو بوصلة تحفظ للإدارة روحها الإنسانية. وعندما أتخذ قراراً إدارياً، أستحضر دائماً نظرة المريض، واحتياجات الممرض؛ فالإدارة ليست قرارات جافة، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة.
مع ثورة الذكاء الاصطناعي.. كيف ترين مستقبل مهنة التمريض؟
المستقبل واعد، خاصة مع التوسع في تخصصات: «الرعاية الحرجة، وصحة المجتمع، والبحث العلمي». والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، أداتان داعمتان، لكنهما لن يكونا بديلاً عن «التعاطف الإنساني». ويجب أن يظل الممرض منخرطاً في الابتكار مع الحفاظ على الأطر الأخلاقية، فالآلة لا تملك قلباً، والمريض يحتاج دائماً إلى من يشعر به.
تتويج المسيرة
«جائزة أبوظبي» تتويج لمسيرتكِ، فماذا علمتكِ هذه الرحلة عن معنى «خدمة المجتمع»؟
«الجائزة» تكريم لروح العطاء بقلب كل ممرض، وممرضة، على أرض الإمارات. فالتمريض علمتني أن خدمة المجتمع «رضا داخلي»، وطاقة إيجابية ننقلها إلى من حولنا. والنجاح المهني يكتمل؛ عندما يرتبط بالعطاء الإنساني. اليوم، أرى أن من واجبي دعم الأجيال الجديدة، وتقديم نموذج إيجابي للشباب؛ ليحققوا طموحاتهم بالاجتهاد، والتعاون.
الحياة في أروقة الطب مليئة بالقصص، فما الدرس الإنساني، الذي ترك فيكِ أثراً باقياً؟
عملي في أقسام الأطفال كان «نقطة التحول». فالتعامل مع براءة الأطفال، وأوجاعهم، يتطلب صبراً، وتوازناً نفسياً. تلك المواقف علمتني «جودة الوقت» مع من نحب؛ فالممرض يحمل قصصاً ثقيلة بنهاية يومه، لكنني - كابنة، وأم - تعلمت أن أترك تعب العمل عند عتبة باب منزلي؛ لأمنح عائلتي الدعم والرعاية، اللذين تستحقهما؛ لأستمد منها الصفاء الذهني؛ فالممرضة المتوازنة نفسياً هي الأقدر على مساعدة مرضاها في الحصول على الشفاء.
بعد ثلاثة عقود من العطاء.. ما الرسالة التي تودين تعليقها في قلوب الكوادر التمريضية اليوم؟
رسالتي لكل ممرض وممرضة: إن «التمريض» الجسر الأسمى بين العلم والرحمة، وإن الريادة الحقيقية لا تُقاس بالمناصب، بل بمقدار العطاء الذي نتركه خلفنا. والعلم هو ركيزتكم الأولى، فاجعلوه سلاحكم، واجعلوا من العمل التطوعي بوابتكم للنمو الإنساني والمهني. واستعدوا للمستقبل بالعلم والخبرة والقيم، واعلموا أنكم «جوهر» بناء مجتمع صحي مزدهر. وواصلوا رسالتكم النبيلة بكل فخر، وثقوا بأن الوطن سيظل ممتناً لكل ما تقدمونه من بذل وعطاء.. فأنتم نبض لا يتوقف؛ من أجل حياة الآخرين.