فريال البستكي: أقدم التراث بروح جديدة
بهدوء يشبه وَقْعَ الخيوط على القماش، وبحسٍّ يلتقط التفاصيل قبل أن تتحول إلى ملامح مكتملة.. تُطل المصممة الإماراتية، فريال البستكي، صوتاً بصرياً يجمع بين سكون البحر، وصلابة الصحراء. ففي أعمالها، لا تغيب الذاكرة بل تتجدد؛ ويتحول الحنين إلى هوية تُرتدى، وتبدو المرأة معها كأنها خرجت من حكاية تراثية، أُعيد رسمها بلمسات عالمية. ولم تكتفِ المصممة الإماراتية بخط إبداعي واحد، بل نسجت تجربتها من الأزياء إلى المجوهرات، والتصميم الداخلي؛ لتؤكد أن الفن نهر متصل، لا تعيقه حدود.. في هذا الحوار، تكشف فريال البستكي عن المحطات التي صنعت اسمها، وتؤكد أن الجمال الحقيقي هو ذاك الذي يحمل قصة.. ويترك أثراً:
-
فريال البستكي: أقدم التراث بروح جديدة
بين المجوهرات، والأزياء، والديكور.. أين تجدين نفسكِ اليوم؟
أجد نفسي، دائماً، عند نقطة التقاء الفنون؛ فالإبداع لا يعرف حدوداً، ومَنْ يمتلك حساً فنياً صادقاً؛ يعبر عنه بأشكال عدة. وقد أدركت، مبكراً، أن التخصص يمنح العطاء عمقاً؛ لذا كرّست أكثر من 25 عاماً للأزياء، مع إبقاء مساحة للتجارب الفنية الأخرى (المجوهرات، والرسم، والتصميم الداخلي)؛ لتغذية هذا المسار.
نقطة تحول
لكل نجاح محطة فارقة؛ فما نقطة التحول في مسيرتكِ؟
هناك نقطتا تحول أساسيتان: الأولى عام 2012، مع إطلاق مجموعة «الذهبان»، المستلهمة من الذهب الإماراتي القديم، وحققت انتشاراً فاق توقعاتي، وجعلتني أدرك أن كل تصميم يجب أن يحمل قصة. أما الثانية، فكانت اللحظة التي أدركت، خلالها، أن الفن يمكن أن يتحول إلى مشروع تجاري ناجح، دون أن يفقد روحه، وذلك مع توالي الشراكات الحكومية، والخاصة.
-
فريال البستكي: أقدم التراث بروح جديدة
التراث.. كيف تحوّلينه إلى مصدر إلهام متجدد؟
التراث كنز حي، وسر التجديد يكمن في «البحث العميق»؛ لذلك أحب الاستماع إلى كبار المواطنين؛ لاستقاء القصص الحقيقية للمكان، والزمان. إنني لا أغيّر التراث، بل أعيد تقديمه بروح تناسب ذوق العصر؛ فنحن جيل واكب تطور الإمارات، وتحمّل مسؤولية نقل هذا الإرث بصورة تليق به، جمعت بين الأصالة، والحداثة.
كيف تحافظين على استدامة تصاميمكِ، في ظل طغيان «الموضة السريعة»؟
لست ضد الموضة، لكنني أختار منها ما يناسب إحساسي، وبيئتي، وذوق المرأة الشرقية. فمثلاً، اللونان: البرتقالي «المحروق»، والفيروزي، رفيقا دربي منذ 25 عاماً، وهما الأكثر طلباً لديَّ، حتى لو لم يكونا ضمن «الترند» العالمي. أعرف ذوق المرأة الإماراتية وما تحبه؛ لذا أسير عكس التيار العالمي «بدبلوماسية»؛ لأقدم موضة تشبهنا.
-
فريال البستكي: أقدم التراث بروح جديدة
«الرسالة» قبل الرسم
كفنانة.. متى تقررين ما إذا كانت اللوحة ستُعلق على جدار، أم ستتحول إلى ثوبٍ يُرتدى؟
في بداياتي كان الأمر عفوياً.. أرسم ما أحب، ثم أكتشف أن بعض الرسومات تليق بأن تكون جزءاً من مجموعة أزياء. أما اليوم، فأصبحتُ أكثر تنظيماً؛ وصرتُ أبحث عن «الرسالة» قبل الرسم. فمثلاً، قبل تصميم «مجموعة العيد»، أبحث في القصائد الرائجة، التي تلامس وجدان النساء، ثم أصيغها بصرياً؛ لتتحول إلى «قصة» تُرتدى، وتُعاش.
من المرأة، التي تصممين لها؟
أصمم للمرأة التي تدرك أن الجمال يبدأ من الداخل، وتحمل حنيناً إلى الماضي، لكنها تعيش الحاضر بثقة، وتعانقه بأنوثة مطلقة. باختصار، إن تصاميمي جسر بين الحالتين؛ بين امرأة حالمة، وأخرى معاصرة، يجمعهما شغف الجمال الأصيل.
أحجار.. وخامات
ما الدرس الأصعب، الذي تعلمته في مسيرتكِ؟
تعلمت أن الطيبة والسخاء في المشاعر، وحدهما، لا يكفيان في عالم الأعمال. في بداياتي، كنت أشارك الجميع أسرار المهنة بروح العطاء، لكنني أدركت، لاحقاً، أن لكل مهنة أسرارها التي تشكل هويتها. واليوم، أوازن بين العطاء، وحماية هوية عملي، دون أن أفقد إيماني بأن النية الصادقة تثمر دائماً.
-
فريال البستكي: أقدم التراث بروح جديدة
ما الأحجار، والخامات، التي تعبر عن روحك؟
أعشق الذهب القديم، وقد جسدت ذلك في استلهام زخارف أبواب ونوافذ بيوت الإمارات العتيقة. وأحب مزج الأصالة بالعصرية، كما أميل إلى حجر الفيروز، واللؤلؤ الطبيعي. وفي الأقمشة، أنا وفية لما تحبه المرأة الإماراتية، والشرقية؛ مثل: الشيفون، والحرير، والتول، والبطانات الخفيفة، التي تجمع بين الفخامة، والراحة.
البيئة الإماراتية حاضرة بقوة في تصاميمك.. ما سر هذا الارتباط الوثيق بها؟
أنا ابنة هذه الأرض، ومنها أستمد طاقتي؛ وأعشق ملمس التراب، والجلوس عليه، فمنه أستمد القوة والإلهام. هذه البيئة المحيطة بي ليست مجرد مكان، بل هي المحرك الأساسي، والمنبع الأصيل، لكل تصميم أقدمه اليوم.
ما «المشروع الحلم»، الذي لم يتحقق بَعْدُ؟
أطمح إلى تصميم فندق بالكامل؛ من الأثاث والديكور، إلى القطع الفنية التي تزين جدرانه، برؤية فنية معاصرة تعكس هويتنا. نحن نعيش في دولة استثنائية، تعطي الثقة الكاملة للمبدع؛ لذلك أحلم بأن أكون جزءاً من مشاريعنا الوطنية الكبرى، التي تخلّد فننا، وتراثنا.
ما نصيحتكِ إلى كل مصممة شابة؟
أقول: ابحثي بداخلك، وتعلمي من السوق، والمصممين العالميين، لكن دون تكرار، ويجب أن تؤمني بأن الأزياء «رسالة فنية»، والتميز بأسلوب خاص يضمن لكِ مكاناً في الذاكرة.