حين تتشابك الذاكرة مع لغة التصميم، ويتحوّل التاريخ من مجرد سردٍ إلى تجربة تُعاش.. تبرز «إنانا» كمشروع يتجاوز حدود الأزياء؛ ليصوغ خطاباً ثقافياً متكاملاً. وتقف وراء هذا المشروع الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، برؤية تنطلق من بحثٍ عميق في سِيَر النساء؛ لإعادة صياغة هذا الإرث بلغة معاصرة، تخاطب الحواس، والوعي. ولا تُقدَّم «إنانا» كعلامة فاخرة تقليدية، بل كتجربة تتداخل فيها الحِرْفة مع السرد. ومن هذا المنطلق، تُعيد «الدار» تعريف علاقة المرأة بما ترتديه؛ بوصفها امتداداً ليقين داخلي بالحضور والسيادة، يتجلّى بأناقة واعية.. في هذا الحوار، نقترب أكثر من ملامح هذه الرؤية.
-
الشيخة بدور القاسمي: مَنْ عرف جذوره لا يضل الطريق
كيف وُلدت فكرة «إنانا» كمشروع يجمع بين الفخامة، والسرد التاريخي؟
وُلدت «إنانا» من مسار بحثي وفكري، بدأ مع كتابي «أخبروهم أنها هنا»، حيث عكفت على استكشاف سِيَر ملكات من المنطقة، لم يحصلن على مكانتهنَّ المستحقة في السرد التاريخي. ومع التعمّق في هذه الشخصيات، تجاوزت المسألة حدود التوثيق؛ لتصبح فهماً أعمق لمعنى الحضور، والسيادة، كما تجلى في تجارب هؤلاء الملكات، وكيف يمكن أن يُستعاد هذا المعنى اليوم. وقد أدركتُ أن هذا الإرث لن يكتمل إذا ظل حبيساً في النص؛ فالكتابة تفسّر وتحلّل، لكنها لا تُلمس. من هنا جاءت «إنانا» كتطوّر طبيعي، حيث تحوّلت المعرفة إلى لغة تصميم تنقل هذه الشخصيات من حيّز القراءة إلى حيّز التجربة. وهكذا لم تُطرح الفخامة كخيار، بل كانت الامتداد الوحيد المنطقي لهذا البحث؛ فكل قطعة تنبثق من شخصية، وتحمل ثقلها، وعمقها، وأثرها.
-
فستان «أروى» يجسد الصمود والاستمرارية؛ تكريماً لملكة مؤثرة في الأجيال.
اسم.. ورمز
لماذا اخترتم «إنانا» اسماً للعلامة، ورمزاً لها؟
هذا الاسم لم يكن اختياراً بقدر ما كان اكتشافاً؛ فخلال بحثي في سِيَر ملكات المنطقة؛ أدركتُ أن تهميشهن لم يكن لغياب أثرهن، بل لغياب مَنْ يُعيد قراءة هذا الأثر. وفي هذا السياق، برزت «إنانا» جذراً ثقافياً يتقاطع عنده مفهوما: «السيادة»، و«الحضور»، اللذان تجليا، لاحقاً، في شخصيات، مثل: «زنوبيا»، و«بلقيس»، ما يعكس جوهر رسالة «الدار»: «المرأة العربية كانت، دائماً، في قلب التاريخ»؛ لذلك يحمل الاسم استمرارية هذا الإرث، ويمنح التصميم لغة معاصرة، تعبّر عنه دون أن تُفقده أصالته.
-
فستان «هُلديو» يعكس بانسيابيته صورة امرأة تعيش بين الظهور والاختفاء.
ماذا يعني مفهوم «الفخامة الأسطورية»، ضمن رؤية «العلامة»، وكيف يتمايز عن مفهومها التقليدي؟
تنطلق «الفخامة الأسطورية» من فهم تاريخي، يرى في الفخامة لغةً تعبّر عن المعنى والانتماء، لا كمظهر للثراء فقط. وفي «إنانا»، لا تُقاس القيمة بالزخرفة أو السعر، بل بعمق الفكرة، وقيمة الأثر، اللذين تحملهما كل قطعة؛ فكل قطعة لدينا مستوحاة من شخصية، أو لحظة تاريخية، تُترجم إلى تصميم حيّ. وبهذا تتميّز «الفخامة الأسطورية» عن «التقليدية»؛ فالقيمة لا تُضاف من الخارج عبر الاسم أو الشعار، بل تنبع من الداخل، من المعنى الذي تحمله القطعة، وما تستحضره.
-
تصميم «شقيلات 1» يعبر عن قوة المرأة.. بحضورها ويقينها الهادئ.
كيف يمكن للمرأة المعاصرة أن ترى ذاتها في شخصيات الملكات العربيات، اللواتي تستحضرهن «العلامة»؟
سنوات البحث كشفت لي أن التاريخ، حين أنصف هؤلاء الملكات، لم يكتشف استثناءات، بل وثّق حقيقة قائمة. فـ«زنوبيا، وبلقيس، وماوية، وشمس، وأبيئيل» لم يتساءلن عن حقهن في القيادة أو التأثير، بل انطلقن منه كحقيقة راسخة، والفارق ليس في الظروف، بل في اليقين الداخلي. إن التقاطع الحقيقي بين هؤلاء الملكات، والمرأة المعاصرة؛ ليس في المكانة أو الزمان، بل في ذلك اليقين؛ فحين تؤمن المرأة بقيمة حضورها وأثرها، يتغير كل شيء في تعبيرها عن نفسها، وحين ترتدي قطعة من «إنانا»، وهي تحمل هذا اليقين، لا يكون الارتداء اختياراً يومياً، وإنما امتداداً طبيعياً لما تحسه، وتؤمن به. فالقطعة لا تمنحها القوة، بل تُذكّرها بأنها كانت هناك دائماً.
-
فستان «زنوبيا» يجسد بأقمشته وطيّاته المصوغة بعناية روح الملكة السيادية والجريئة.
كيف تترجم تصاميم «إنانا» السرديات التاريخية إلى تجارب حسّية ملموسة: تُرى، وتُلمس، وتُشَم؟
ينطلق هذا التصوّر من فهمٍ يرى أن ما يحمل تاريخاً، وجذراً، يمتلك قيمة أعمق؛ لذلك تقدّم «إنانا» تجربة متكاملة من الأزياء والمجوهرات والعطور، حيث يخاطب كل عنصر حاسة مختلفة بمصدر واحد. ففي الأزياء، تُترجَم شخصيات الملكات إلى بنية وخامة؛ فيظهر صمود «زنوبيا» في ثقل القصّات. فيما تتجلى روح «أبيئيل» في انسيابية القطعة، وامتدادها الصحراوي. أما المجوهرات، فتعمل بمنطق «التميمة»، كما في مجموعة «أبيئيل.. عهد الصحراء»، المستوحاة من نقش العملة القديمة، بما تحمله من معنى الاستمرارية. ويأتي العطر؛ ليمنح بُعداً حسياً أعمق، إذ يستحضر روح المكان، وحضور الشخصية.. وهكذا، يصبح الارتداء امتداداً لذاكرة حيّة، وليس مجرد اختيار يومي.
-
تصميم «راجستان» يكرّم الإرث الرحّال وهو مستوحى من الصحارى المضيئة والمنسوجات الغنية بالتفاصيل.
لكل قطعة حكاية
ما الدور الذي يلعبه إحياء تقنيات، مثل: «الإيكات»، و«الشيبوري»، و«الكانثا»، في ترسيخ هوية «الدار»؟
تتجاوز تقنيات، مثل: «الإيكات»، و«الشيبوري»، و«الكانثا»، وتطريز وادي سوات، و«الفولكاري»، حضورها كعناصر جمالية؛ لتصبح جزءاً من اللغة التي تُبنى بها القطعة، حاملةً تاريخاً من المهارة، والمعرفة. ويتم دمجها داخل التصميم كعنصر سردي، ينعكس في: البنية، والتوازن، والانسيابية. وبذلك تُسهم في ترسيخ هوية «إنانا» عبر ربط الحِرْفة بالذاكرة، وتحقيق توازن حيّ بين الأصالة، والتجديد.
-
تصميم «عاديّة - راقصة الريح» يحتفي بملكة تستمد قوتها من حضورها الهادئ.
كيف تتجسّد مبادئ الاستدامة، والتصنيع الأخلاقي، في مختلف مراحل الإنتاج لدى «العلامة»؟
في «إنانا»، تنطلق الاستدامة من فلسفة تقوم على الوعي والقصد، لا على الإنتاج المفرط، حيث تُصنع القطع بكميات محدودة، ولغرض واضح. وتُختار الخامات الطبيعية، ومنها: الكتان، والقطن، والصوف، بعناية، مع إعادة توظيف المواد المتبقية؛ حفاظاً على قيمتها. ويمتد هذا النهج إلى البعد الأخلاقي في التعامل مع الحِرَفيين، عبر صَوْن تقنياتهم المتوارثة، واحترام عملهم؛ ما يرسّخ استدامة المعرفة، إلى جانب استدامة المادة.
-
فستان «سمسي» يعكس قوة ملكة صاغتها الصحراء بحضور لا يُضاهى.
في «إنانا» لكل قطعة حكاية؛ فما الحكاية التي تختصر رحلتكِ الشخصية مع هذا المشروع؟
«إنانا» امتداد لمسار بدأ قبلها بسنوات؛ مسار قائم على الإيمان بأن الثقافة أساس كل ما نقوم به، وأن الهوية انتماء فلسفي وروحي، يحتاج إلى عناية مستمرة. فحين نغذّي هذا الانتماء، ونحافظ عليه؛ تمتد جذوره ليصبح يقيناً يحمله جيل، ثم يورّثه للجيل الذي يليه. ورحلتي مع «إنانا» تجسيد لهذا الإيمان؛ فقد بدأتُ باحثةً في سِيَر ملكات أهملها السرد التاريخي؛ فوجدتُ أن البحث عنهن كان - في جوهره - بحثاً عن أصل السيادة، وأسئلة الهوية التي تشغلنا جميعاً. وهذه الأسئلة هي البنية التي تقوم عليها «إنانا»؛ فمن عرف جذوره لا الطريق، وعندها كل ما يصنع ينبثق من أصالة حقيقية، وليس من فراغ. وفي النهاية، كل قطعة في «إنانا» تعد إجابة عن هذه الأسئلة؛ ولحظة تجد فيها كل امرأة ترتديها شيئاً كان يسكنها دائماً.