«عرائس القماش» حنين الجدات المحفوظ بين الغرز
في تلك اللحظات الندية، التي تعانق فيها رائحة البخور العتيق جدران البيوت الإماراتية؛ كانت تولدُ، قديماً، فرحةٌ من نوع خاص، لم تصنعها الآلات، بل غزلها حبُّ الأمهات، وصاغتها أناملُ الجدات في «الدمية الشعبية»؛ تلك التي لم تكن يوماً مجرد قصاصات من قماش أو حشوة من قطن، بل كانت «أنيسة الطفولة»، ومستودع الأحلام الصغيرة. إنها إرثٌ نابضٌ يرتدي «الثوب، والبرقع»؛ ليحاكي وقار الماضي، ويُهدي جيل اليوم ملامح من «زمن الطيبين»؛ تلك الملامح التي لا يمحوها الزمن، بل تزدادُ بمروره بريقاً، وبهاءً.
-
«عرائس القماش» حنين الجدات المحفوظ بين الغرز
ذاكرة من قطن.. وخيط
في الماضي.. لم تكن منصات الألعاب الإلكترونية وجهة الفتيات، بل كانت «الدمية القماشية» هي البطلة المطلقة. فكانت الفتاة الإماراتية، قديماً، تقتني «دمية» تخيطها لها الأم، أو الجدة، من أقمشة ملونة، منها: «الأحمر القاني، والأصفر الفاقع، والأخضر العشبي»، وتُلبسها «الثوب»، و«الشيلة»، وتمنحها اسماً وصفةً؛ فتصبح «الدمية» انعكاساً لهويتها الصغيرة. لم تكن تلك «الدمية» مجرد خيوط، بل كانت تحمل عبق الأمهات؛ فغالباً كانت تُصنع من بقايا أقمشة أثوابهنّ، كأن الطفلة حين تحتضن دميتها، تحتضن جزءاً من ثوب أمها، ورائحتها، ما يمنح اللعبة قيمةً عاطفيةً لا تُقدر بثمن.
أنامل الجدات.. «حاميات التراث»
تُعد صناعة الدمى القماشية من أقدم الفنون اليدوية، التي مارستها المرأة الإماراتية قديماً؛ تعبيراً عن وجدانها، وارتباطها ببيئتها. واليوم، تستمر هذه الحرفة بفضل «حاميات التراث»، ومنهن: الوالدة شمه الطاير، والوالدة ناجية حميد المهيري من معهد الشارقة للتراث، فـ«حاميات التراث» هؤلاء جعلن من «صندوق الجدات» جسراً يعبر بالماضي نحو المستقبل.. تروي الوالدة شمه كيف توارثت هذا الفن، مؤكدة أن الحفاظ على هوية «الدمية الإماراتية»، حفظ لذاكرة الوطن، وجمالياته الأصيلة.. وتقول (بشغف): «تعلمت هذه المهنة من عائلتي وتوارثتها، وبمرور السنوات رأيت أنه يجب تطويرها مع الحفاظ على روحها الأصيلة. واليوم، نستخدم أدوات حديثة، لكن الهوية تظل إماراتية بامتياز».
-
«عرائس القماش» حنين الجدات المحفوظ بين الغرز
أسرار الصناعة.. من «إلْحِيا» إلى «الوسمه»
تشرح الوالدة شمه مراحل صناعة «الدمية» التقليدية، أو ما يُعرف بـ«إلْحِيا»، وتوضح أنها تبدأ بتشكيل الرأس، وحَشْوه بالقطن الأبيض النقي، ثم ربطه بإحكام. أما الجسد، فيُبنى من الحبال والصوف؛ لتمنحه القوام المطلوب. بعدها تأتي مرحلة كسوة «الدمية»، التي تحاكي الزي الإماراتي التقليدي بتفاصيله الدقيقة، حيث تتزين «دمية البنت» بالشيلة الخفيفة، وأقمشة، مثل: «بودقة»، و«تور». بينما تطل «دمية المرأة» بوقار وشيلة ثقيلة، تسمى «وسمه»، والبرقع المصنوع من قماش «الشل». وتضيف: «هذه التفاصيل ليست مجرد زينة، بل لتطلع الأجيال الجديدة على عادات اللباس والجمال، ومن خلالها كانت الطفلة، منذ نعومة أظافرها، تتعلم (السنع)، وفنون تنسيق الثياب بوقار».
دقة.. وجمال
تسترجع الوالدة ناجية ذكريات التطور، قائلة: «في السابق، كانت بنية (الدمية) تعتمد على أعواد الكبريت البسيطة. أما اليوم، فقد طورناها؛ لتصبح أكثر متانة باستخدام القطن والحبال، وحياكة ملابسها بآلة الخياطة؛ لتكون أكثر دقة، وجمالاً». وتؤكد أن الجمع بين الأدوات المتاحة، والتقنيات الحديثة، يضمن بقاء الدمية الشعبية في قلوب الأطفال، والفتيات، حتى يومنا هذا.
-
«عرائس القماش» حنين الجدات المحفوظ بين الغرز
فرحة الصنع.. أعمق من فرحة اللعب
لا تكتفي الوالدة ناجية بالصناعة، بل تنقل هذه الأمانة عبر ورش عمل، تجذب الأمهات، والفتيات الصغيرات. والجميل أن السعادة، التي تغمر الفتاة؛ عندما تصنع دميتها بنفسها، وتختار لها ألوان «الثوب»، و«البرقع»، تفوق بمراحل فرحة اللعب بها. وتشير إلى أنها لحظة «صنع» صديقة جديدة، تربط الفتاة بجذورها، وتجعل من ارتداء الزي الوطني امتداداً لذاكرتها اليومية، ليس للطفلة فقط، بل لدميتها أيضاً، لتشكلا معاً صورة تعكس الفخر بالهوية. وتردف: «كما تجاوزت هذه الدمية القماشية حدود البيوت المحلية؛ لتصبح (سفيرة) للتراث الإماراتي؛ حيث يقف السياح والأجانب معجبين بتفاصيلها الدقيقة، التي تختصر تاريخاً طويلاً في قطعة قماش، ما يجعلها تذكاراً يحمل روح الإمارات إلى كل ركن في العالم».
من جيلٍ إلى جيل.. ذاكرةٌ لا تغيب
ستبقى «الدمية الشعبية الإماراتية» جسراً يربطُ بين الأمس، وأيدي أجيال الغد.. تقول الوالدة ناجية: «تذكرنا (الدمية) بأن أبسط الأشياء هي أكثرها قدرة على حفر ذكريات تبقى. لنمنح صغيراتنا فرصة اقتناء (عرائس قماشية) تختصر مسافات الحنين»، وتؤكد أن «روح الطيبين» ستظل حية، تنبض في تفاصيل بيوتنا؛ فتمنح أيامنا ذلك العبق الأصيل، الذي لا يتغير مهما تعاقبت السنوات!